رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اجتهادات
العلمانية.. والمسيحية

تنطلق الفكرة العلمانية فى جوهرها من مبادئ عدة قد يُختلف فهم بعضها أو تفسيره. ولعل أهم ما يحدث اختلاف بشأنه نظرتها إلى الدين وموقعه فى حياة الإنسان. لكن اتجاهًا يعتد به فى أوساط مؤسسى هذه الفكرة فى أوروبا يرى الدين شأنًا خاصًا، ولكنه ليس محضا داخليا أو «جُوَّانى» لأنه يؤثر فى بعض التفاعلات الاجتماعية. والعلمانية بهذا المعنى لا تستبعد الدين من المجال العام فى مجمله، بل من المجال السياسى تحديدا, ولا ترفض الأديان بل تقف على الحياد تجاهها، وتضمن حق كل إنسان فى الإيمان وممارسة شعائره, وترفض أى تمييز لمصلحة دين أو ضد آخر. وهى تختلف، على هذا النحو، عن النزعة اللادينية التى لا تعترف بالأديان. وعندما نتأمل بدايات الفكرة العلمانية، حتى قبل أن يشيع استخدام هذا المصطلح، بشىء من التدقيق نجد أن بعض أهم روادها تشَّربوا روح المسيحية الحقة وقيمها الإنسانية العامة التى تُمثَّل قواسم مشتركة مع الإسلام الصحيح, مثل التسامح والإخاء والعدل. وكان بعضهم معجبًا بأخلاق النبى عيسى عليه السلام، مثل جيرمى بينتام الذى يوصف عادة بأنه من روَّاد الفلسفة النفعية، ولكنه كان أبرز فلاسفة القانون فى أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التالى. كما اهتم فولتير باستخلاص ما سماها النواة العقلانية الموجودة فى مختلف الأديان، إلى جانب الأبعاد الأخلاقية فيها. ولذلك بدا قريبًا من مفهوم الدين المعاملة فى قوله (إذا كنتُ أُعامل الناس بطريقة حسنة، وأخدم المجتمع والمصلحة العامة، فأنا من أفضل المؤمنين). ونجد ما يشبه ذلك، أو يقترب منه بشكل أو بآخر, فى تمييز فريدريك هيجل بين (الدين الداخلى العميق، والدين الخارجى الاستعراضى). وهذا هو المقصود بالمسافة البعيدة الآن بين الدين الحقيقى والتدين الظاهرى. أما أكثر رواد التفكير العلمانى إيمانًا بالنزعة المادية الحسية، مثل ديدرو، فلم يتخذوا موقفًا ضد المسيحية كدين، بل ناضلوا ضد هيمنة الكنيسة عليها، واستخدامها فى السيطرة على المجتمع عبر مصادرة العقل. ولهذا، فإذا لم يكن موقف العلمانى تجاه الدين إيجابيًأ، فهو ليس معاديًا، وإلا انتقل من العلمانية إلى اللادينية.


لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد

رابط دائم: