رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أسطورة أحمد شوقى يبحث عن لآلئ الشعر فى السماء والخديوى إسماعيل يعالجه بالذهب

محسن عبد العزيز;

ولد أحمد شوقى (1868 ـ 1932) بعيب خلقى جعله ينظر دائما الى الأعلى كأنما يبحث عن شيء ضاع منه فى السماء، عيناه تترجرجان لا تستقران على حال.

وكانت جدته إحدى جوارى الخديو اسماعيل حملته إلى الخديو وهو طفل صغير عمره 3 سنوات، وقالت له : إنه لا يملك أن ينظر إلى الأرض فأخرج الخديو من جيبه قطعا ذهبية وألقى بها على سجادة، فخطف بريقها عينيه فنظر إلى السجادة وما فوقها، فقهقه الخديو، وقال لها : عالجيه بهذا الدواء . فسوف يتماثل للشفاء.

فأجابت الجدة على الفور : يا أفندينا هذا الدواء لا يصرف إلا من صيدلية سموك.

وقال خصومه انه منذ ولد يبحث عن الذهب، فهم لا يدركون أن هذه هى اسطورته التى تحكم مجرى حياته وهى البحث عن لآلئ الشعر ـ فقصائده سوف تغدو أغلى من الذهب عندما تصبح صوت الشعب وأغانيه وأحزانه.

وسوف يعيش شوقى الذى حصل على ليسانس الحقوق من فرنسا، لا عمل له إلا الشعر، خلق ليكون شاعراً وفقط. حياته هى مطاردة القصيدة واقتناصها، يقضى الليالى راكبا عربة حنطور تجوب شوارع القاهرة يطارد شيطان الشعر حتى يتجلى الصباح بقصيدة كالضوء.

يقول عن نفسه انا عربى تركى يونانى شركسي، فجده كردى وأمه تركية ، وأم أبيه شركسية، وأم أمه يونانية.

تزوج شوقى من سيدة كانت تحتمل كل جنونه وأنجب ولدين وبنتا، وعاش حياته كطفل، حتى غسل يديه ووجهه كان يقوم بهما تابع سودانى قبل أن يخرج من بيته هائما بلا قصد لا يستقر فى مكان ـ قلقا متململاً طوال الوقت، لا يستمع إلى حديث إلا ويمل. يدخل حجرات رؤساء تحرير الأهرام والسياسة والجهاد، كأنه الطيف يدخل ويخرج سريعا. طبقا لفتحى رضوان.

وينتقل من مكان إلى مكان ومن منتدى إلى آخر، والناس يظنون به الجنون بينما هو يطارد إبداعه وقد تراوغه القصيدة، تتمنع عليه وتهرب، وهو يتودد ويتقرب، حتى ترق له وتمنحه أجمل المعاني.

والشعر يأتيه كما يأتى الوحى للأنبياء.. وكنت تسمع له همهمة وغمغمة، يرفع يده إلى جبينه ويمسحه فى تؤده وحذر، وإذا حدثه أحد لم يسمع له، فهو غائب عن الوجود، وإذا استعصى عليه اللفظ، خرج كأنه فى أعقاب فريسة حتى ينقاد له المعني، فيعود إلى بيته ويملى على كاتبه قصيدته التى يحفظها فى رأسه كاملة.

شعر مثل الذهب تتلقفه الصحف فى صدر صفحاتها الأولى ويصبح حديث الناس فى الشارع والمقاهى ودواوين الحكومة وعلى مائدة الطعام بين أفراد الأسرة، يصبح الوطن كله قصيدة جديدة لشوقي.

ورغم أنه كان مهيئاً منذ ولادته لاسطورته الشعرية، كنفحة من السماء لإحياء الشعر العربى بعد أن غلب عليه التكلف والركاكة خلال عصور الظلام العثمانية والمملوكية، فإنه عمل على اسطورته جيداً منذ كان تلميذاً يقارع أساتذته بالشعر فى المدرسة.

فعندما أوفده الخديو توفيق للتعليم فى فرنسا اتقن الفرنسية واختلط بكبار المبدعين إسكندر ديماس الابن، وموباسان، وسارة برنار، وهوجو، ونهل من أفكارهم حتى اكتملت أسطورته تماما، وعاد إلى مصر ليجد صديقه مصطفى كامل أصدر جريدة اللواء حاملاً راية الجهاد وبعث الروح الوطنية من جديد بعد هزيمة عرابى واحتلال الإنجليز لمصر، كان مصطفى كامل نفحة السياسة وشوقى نفحة الشعرية لإيقاظ الوطن.

وربطت الصداقة والاتجاهات الفكرية بين الرجلين اللذين كانا يحملان أحمد عرابى مسئولية إحتلال الانجليز لمصر وأفكارهما كانت تميل إلى تركيا ضد الغرب.

وعندما كتب شوقى قصيدته القاسية ضد عرابى بعد عودته من المنفى كانت اللواء هى التى نشرت القصيدة

صغار فى الذهاب وفى الاياب

أهذا كان شأنك ياعرابى ؟

ولم ينتم شوقى للحزب الوطني، حزب مصطفى كامل، ولا للوفد حزب سعد زغلول ولا لأى حزب وإنما ظل حراً طليقا يغنى للوطن دون قيد.

وكان لشوقى دور كبير فى التشهير بالإنجليز بعد حادث دنشواى سنة 1906 ، اتفق شوقى بإيعاز من الخديو عباس حلمى مع صحفى إنجليزى أن يمده شوقى بالأوراق والوثائق لنشر فضيحة دنشواى فى الصحف البريطانية، مما أدى إلى رحيل كرومر عن مصر وكتب شوقى.

لما رحلت عن البلاد تشهدت..

فكأنك الداء العياء رحيلا.

ولذلك عندما خلع الإنجليز عباس حلمى ومنعوه من العودة إلى مصر من تركيا عشية الحرب العالمية الأولى قاموا أيضا بنفى صديقه أحمد شوقى إلى اسبانيا عام 1915، وظل هناك لمدة أربع سنوات، انصهرت خلالها أسطورته بين الحنين إلى الوطن، والحنين إلى مجد الأمة الغابر فى قرطبة، وغرناطة عندما كانت الأندلس حاضرة المسلمين.

ويشتد الحنين فيكتب معارضا قصيدة ابن زيدون لولادة بنت المستكفي، فشوقه وحنينه إلى وطنه يشبه شوق ابن زيدون إلى حبيبته وأكثر.

يا ساكنى مصر إنا لانزال على..

عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا.

هلا بعثتم لنا من ماء نهركم..

شيئا نبل به أحشاء صادينا.

فيكتب إليه حافظ ابراهيم:

والله ما طاب للأصحاب مورده..

ولا ارتضوا بعدكم من عيشهم لينا.

لم تنأ عنه وإن فارقت شاطئه..

وقد نأينا وإن كنا مقيمينا.

وعند عودته يقول بيته الخالد:

يا وطنى لقيتك بعد يأس..

كأنى لقيت بك الشباب.

كان شوقى شاعرا منذورا للشعر وفقط ليقود حركة الإحياء فى الفكر والأدب والسياسة والفن مع الطهطاوى ومحمد عبده وقاسم أمين وطه حسين وسعد زغلول ومصطفى كامل وسيد درويش.

ورغم شدة إيمان صاحب نهج البردة إلا أنه لم يكن يصلى ولا يصوم واعتذر عن الحج عندما دعاه اليه الخديو عباس حلمى لانه لا يحب ركوب الجمال وكتب إليه معتذرا.

وهل سيارة أو مطار فيدنو..

بها بعيد البيد والفلوات.

ويارب هل تغنى عن العبد حجة..

وفى العمر ما فيه من الهفوات.

وقد تعرض شوقى لهجوم شديد من مدرسة العقاد وصاحبيه ولكنه ذهب ادراج الرياح وبقى شعر شوقى خالدا خلود النيل والوطن.

حياته قلقة وغريبة حتى فى الطعام، يحب الأصناف الكثيرة رغم أنه قليل الأكل، ويطلب من ابنته التى تجاور منزله أن ترسل له ما عندها من أطعمة ليضعها على مائدة الغداء.

فالعشاء كان يتناوله دائما فى مطاعم مختلفة غالية ورخيصة، ولا يتناول أى طعام قبل أن يشرب ماء مخلوطا باليود. وبعد العشاء يذهب إلى السينما ويجلس فى الصف الأول لضعف بصره ويتناول إفطاره كل يوم فى جروبى قهوة باللبن وقطعة فطير.

ويوم الجمعة يأخذ غداءه معه من المنزل ويتناوله مع صديقه حافظ إبراهيم فى أحد المطاعم المطلة على الأهرام.

كان شوقى وحافظ كفرسى رهان بينهما تنافس وصراع على زعامة الشعر رغم صداقتهما.

وكان شوقى يقول عن حافظ إبراهيم ومطران خليل مطران يمكن أن يكونا معا شاعرا جيدا.

حافظ متمكن من صقل ألفاظه، ولكنه جاهل لم يتعلم، فجاء شعره جزلا بلا معني، أما مطران فهو متعلم حسن الاطلاع، وشعره جليل المعنى فقير اللفظ. أما أنا فأجمع بين الاثنين اللفظ والمعني، ولو وضعت حافظ على مطران لصنعت شاعرا وأنا هذا الشاعر.. وفى حفل إمارة الشعر 1927 الذى اقيم تكريما لشوقى واصداره ديوان الشوقيات، وقف حافظ إبراهيم يبايع شوقى قائلا!:

أمير القوافى قد أتيت مبايعا..

وهذى وفود الشرق قد بايعت معي.

وقام شوقى واحتضنه وبكى كل منهما ولما مات حافظ رثاه شوقى:

قد كنت أوثر أن تقول رثائى..

يامنصف الموتى من الأحياء.

شهد آخر عامين فى حياة شوقى انتاجا غزيرا كأنما أحس بدنو أجله، فأنجز مجنون ليلى وعلى بك الكبير والست هدى والبخيلة، وكل هذا كان على حساب صحته.

وفى يوم 13 أكتوبر 1932 خرج بسيارته وزار محمد توفيق دياب فى جريدة الجهاد، وكان يحبه ونظم له بيتا جعله شعار جريدته.

قف دون رأيك فى الحياة مجاهدا..

إن الحياة عقيدة وجهاد.

وعندما عاد نام واستيقظ فى الثانية صباحا وقال للخادم: أنا تعبان، وأسرعت زوجته إليه ولكن روحه فاضت الى خالقها.

وكتبوا على قبره طبقا لوصيته من نهج البردة:

إن جل ذنبى عن الغفران لى أمل..

فى الله يجعلنى فى خير معتصم.



> المصادر: ابى شوقي.. حسن شوقي.. اثنا عشر عاما فى صحبة أمير الشعراء ـ أحمد سامى أبو فايز.. عصر ورجال ـ فتحى رضوان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق