رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بين القوة الناعمة والذكية

جوزيف ناى هو أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد ومن المفكرين الاستراتيجيين الذين يجمعون بين الأساس الأكاديمى وبين الخبرة والعمل الدبلوماسي، وهو منذ بداية الألفية الثانية مشغول بقضية القوة وتاريخها وأبعادها ومكوناتها، وهو ما قاده لأن يصوغ مفهوم القوة الناعمة حيث أصدر عام 2004 كتابه: soft power the means to success world politics غير أن تركيز جوزيف ناى على مفهوم القوة الناعمة ودعوته لها كأحد المكونات الرئيسة للقوة الأمريكية، جاء بعد تركيز إدارة بوش الابن على القوة العسكرية، وهو ما قادها إلى الانخراط فى حرب أفغانستان والعراق، وفى كتابة مستقبل القوة ينبه إلى التحولات والابتكارات والتكنولوجيا الجزئية، والعلاقات الجديدة التى سوف تحدد القرن الحادى والعشرين، وهو يظهر كيف أن مصادر القوة يجب أن تتضمن أكثر من قوة البلد العسكرية، فالمعلومات التى كانت الحكومات تحتكرها متاحة الآن للاستهلاك الجماهيري، وحيث وضع الانترنت القوة بين أصابع الوكلاء غير الحكوميين بشكل يسمح لهم بأن يشنوا هجمات الكترونية من داخل منازلهم، ويخلقوا تهديداً أمنياً يشعر به العالم، ويمثل الإقناع وليس القهر، بين أدوات أخري، إحدى أدوات القوة الناعمة، ويطور ناى مفهومه للقوة الناعمة إلى مفهوم القوة الذكية والذى يعدها مزيجا من القوة الصلبة والقوة الناعمة من الإقناع والجاذبية، فالقوة الناعمة ليست حلا لكل المشكلات، فرغم أن زعيم كوريا الشمالية يشاهد أفلام هوليوود، فإن هذا لم يقنعه بتخليه عن برنامجه النووي، كما أن القوة الناعمة لم تفلح فى إقناع حكومة طالبان بعدم تأييد القاعدة، ويشير ناى إلى دراسة أصدرها مع ريتشارد ارميتاج، بتكليف من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، عن القوة الذكية، حيث استخلصا أن صورة أمريكا قد تدهورت فى العالم فى السنوات الأخيرة، وأن على الولايات المتحدة أن تتحرك من تصدير الخوف إلى الإلهام، ومن ناحية أخرى فإنه رغم أن البنتاجون هو الذراع الأكثر تدريباً وتسليحا للحكومة الأمريكية، فإن هناك حدودا لما يمكن أن تحققه القوة العسكرية وحدها، فالترويج للديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، لا يمكن تناولها على أحسن وجه ببرميل البارود، وحقيقة أن العسكرية الأمريكية لديها قوة عمليات مؤثرة، ولكن سياسة اللجوء للبنتاجون لأنه يستطيع تحقيق نتائج، إنما تؤدى إلى زيادة عسكرة السياسة الخارجية، ويدلل ناى على هذا بتصريحات للجنرال مولت رئيس الأركان أن كلا من وزيرة الخارجية هيلارى كلينتون ووزير الدفاع روبرت جيتس قد مالا لا إلى زيادة الانفاق العسكري، وإنما المزيد من التركيز على القوة الناعمة، وأنه يتفق معهما تماماً، فإذا اخترنا أن نمارس النفوذ الأمريكى فقط من خلال قواتنا فسوف نرى نفوذنا يتناقص عبر الزمن.

ويعود ناى إلى شرح ما دفعه عام 2004 إلى أن تطوير القوة الناعمة يمكن أن ينتج عنه سياسة خارجية فعالة، فقد حدد القوة الذكية بوصفها القدرة على مزج مصادر القوة الصلدة والناعمة، لكى تنتج استراتيجيات فعالة، فعلى عكس القوة الناعمة فإن القوة الذكية مفهوم تقييمي، وكذلك مفهوم وصفي، يعتمد على كيفية استخدامها، وينبه ناى إلى أن القوة الذكية متاحة لكل الدول، وليس فقط للولايات المتحدة، ويضرب عددا من الأمثلة على ذلك كما هو الحال مع النرويج والصين.

ويركز جوزيف ناى على الصين وكيفية استخدامها واستفادتها من القوة الناعمة، فيذكر أنه فى أكتوبر 2007 ذكر الرئيس الصينى هوجينتاو أن الصين يجب أن تدعم الثقافة كجزء من القوة الناعمة لبلدنا، وكعامل ذى أهمية متزايدة فى التنافس حول القوة القومية الشاملة وإذا كانت الصين كان لديها جاذبية ثقافية تقليدية، إلا أنها الآن تدخل فى نطاق الثقافة الشعبية العالمية كذلك فمجموع 1.4 مليون طالب صينى يدرسون فى الخارج بين 1978-2008، وفى عام 2009 سجل 22000 طالب أجنبى أنفسهم فى الجامعات الصينية، كما أنشأت الصين عدة مئات من معاهد كونفوشيوس حول العالم لتعليم لغتها وثقافتها، وفى عام 2009-2010 استثمرت الصين 8.9 بليون دولار فى العمل الإعلامى فى الخارج، بما فى ذلك قناة شينخوا للأخبار التى تذيع لمدة 24 ساعة، كذلك كيفت الصين دبلوماسيتها، ففى بداية التسعينيات كانت قلقة من الترتيبات المتعددة الأقطاب، وكانت فى تقاطع فى الأهداف مع العديد من جيرانها، الآن وبعد ذلك انضمت إلى منظمة التجارة العالمية، وأسهمت فى منع الانتشار، بما فى ذلك المحادثات السداسية حول كوريا الشمالية، وتسوية المنازعات الإقليمية مع جيرانها، وانضمت إلى عدد من المنظمات الإقليمية.

ورغم أن مفهوم ناى يعود إلى عام 2004 فإن الاعتراف به وتبنيه من قبل الإدارة الأمريكية لم يجيئا إلا مع وصول إدارة باراك أوباما، وسوف نجد الرئيس الأمريكى الجديد فى خطابه الافتتاحى فى عام 2009 يقرر: أن قوتنا تنمو من خلال استخدامها الحكيم، وأن أمننا ينبع من عدالة قضيتنا، وقوة نموذجنا وخصالنا المعتدلة فى التواضع وضبط النفس، كذلك قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون: إن أمريكا لا تستطيع أن تحل أكثر المشاكل الضاغطة بمفردها، والعالم لا يستطيع أن يحلها دون أمريكا، إننا يجب أن نستخدم ما نسميه القوة الذكية والنطاق الكامل من الأدوات التى تحت أيدينا. والآن نحن نتحدث عن مفهوم القوة الناعمة أو القوة الذكية فلابد أن نتذكر أنه لعهود طويلة كانت مصر تستمد مكانتها ودورها فى منطقتها من قوتها الناعمة التى كانت تتمثل فى مفكريها وأساتذتها وثقافتها وفنونها من مسرح وسينما وغناء، وإذا كنا نتحدث اليوم عن استعادة مكانة دور مصر فى المنطقة، فلابد أن يكون من مقوماتها إحياء القوة الناعمة لمصر، وهى مسئولية المفكرين والمثقفين، والفنانين بالارتقاء بإنتاجهم ومستواهم الفني، وهى مسئولية الجامعات المصرية لكى تخرج أجيالاً قادرة على استعادة الثقة فى القدرات العلمية المصرية، التى بنت فى يوم ما الجامعات العربية، ووضعت دساتيرها، وخرجت أجيالاً تحتل اليوم مناصب قيادية فى مجتمعاتها.


لمزيد من مقالات د. السيد أمين شلبى

رابط دائم: