رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مئوية القائمقام..‏ثروت عكاشة

ضابط القوات المسلحة المشارك فى حرب فلسطين.. عضو مجلس قيادة الثورة والملحق العسكرى فى سفاراتنا ببرلين وباريس ومدريد وروما.. الحاصل على درجة الدكتوراه فى الأدب من السوربون.. وزير الثقافة. عضو المجمع العلمى المصرى. بطل إنقاذ آثارنا المصرية فى أبوسمبل وفيلة.. رئيس التحرير والسفير والوزير ورئيس مجلس إدارة البنك الأهلى ورئيس المجلس الأعلى للفنون والآداب وزميل الأكاديمية البريطانية الملكية.. و..قائمة لا تنتهى من المواقع العلمية والثقافية والأدبية فى الداخل والخارج شغلها عاشق الثقافة والفن مؤسس الدعائم الثقافية والفنية المصرية التى منحت مصرنا وجهها العصرى المشرق.

مصر تحتفل هذه الأيام بمئوية الدكتور ثروت عكاشة أسطورة الثقافة والفن من شرف لى الاقتراب منه والجلوس إليه والتلمذة على يديه والاهتداء بنصحه ومطالعة الفنون ـ كل الفنون ـ من خلال ناظريه، والاحتفاظ بجميع كنوز مؤلفاته كل منها بإهداء كريم مختلف منه، ولكن آخرها كان خلوًا من سطور بخط يده بقلمه الأخضر مثل قلبه الأخضر وهو مؤلفه الضخم عن «مارك شاجال فنان الإبداعات الراقصة» الذى صدر بعد وفاته، ولكن وقع الكتاب كان له مذاق مختلف فقد حملته لى كريمته «نورا» امتدادًا لمسيرة نهر العطاء الثقافى الذى دعانا صاحبه للسباحة فى أغواره ليغمرنا الفيض وجنّات الرؤى بين لآلئ الكشوف وجواهر الأصداف وحوريات المرجان.


ناصر وعكاشة..رفقاء السلاح

فى عام 2007 كتبت عنه.. رحت له.. اخترقت أسوار العزلة.. تسللت ما بين طيات ستائر الشرنقة مستهدفة صاحب الابتسامة التى تحمل غبطة طفولية، وتعكس فى الوقت نفسه خشونة عسكرية.. قصدت المتوحد مع الإبداع بشموخ العباقرة وتواضع العلماء.. سكنت ساعات على ضفاف التأمل والاستبطان.. جلست بين فكره وفنه.. ذهبت أنشد فارس المعارف والمعارك قائد كتيبة الجدية الذى قاد مسيرة الحجر على الإسفاف والسطحية.. سليل العسكرة الذى يحاول نفى انعكاسها على شخصيته الرقيقة الودود الدافئة رغم اعتزازه بها.. ضابط الثورة التى أصبحت جزءا مهما فى تاريخه.. توجهت لداره لأنهل الفيض وأرتوى بالثقافة وأقطف ثمار التجارب وأستظل بالأنس والمؤانسة، وأنصت للموجز على لسان الدماثة.. احتسيت الشاى مع صاحب دكتوراه السوربون فى حياة المؤرخ العربى أبوقتيبة الدينورى، وضابط23 يوليو، ومؤسس البنية التحتية للنهضة الثقافية المصرية فى الخمسينيات والستينيات.. اهتديت إلى مجلس طواف مملكة الفن، جوال أروقة الحضارات، الشاهد الذواقة الذى قدم لأبنائه خلاصة تجربته وعصارة روحه وأصداء علوم موسيقاه.. سعدت بصحبة من قضى سنوات عمره فى عمل جاد بلا ضوضاء لينسج ملحمة الاتساع والعمق والتنوع والجلال..

طلبت القرب من نجم الوزارة والسفارة الذى أخذ اجازة من الوزارة لينجز الدكتوراه.. شغلنى شاغل أوفرول الميدان وريدنجوت حفل الكوكتيل.. وجدتنى جارة الإبهار فى جلستى إليه مستمعة مثلما عشت بين مؤلفاته الخمسة والخمسين قارئة.. تشتت بين هيولة عناوينه وأعماله وإنجازاته ولافتاته ومؤلفاته وموسوعاته، والمواقع والمراكز والألقاب والرتب والنياشين والأوسمة والملوك والرؤساء، والملك كارل جوستاف، والرئيس ديجول ومجلس قيادة الثورة، وعصر الباروك ومنمنمات مقامات الحريرى، ومومياء أبوشادى، ومعهد النقد الجمالى الذى غير جمال عبدالناصر اسمه إلى معهد النقد الفنى حتى لا يقال إن الاسم مشتق من اسمه ـ فى أول الثورة ـ و.. جمعت شتاتى لأهرب منه إليه، ألوذ بمعذبى نفسه صاحب الألف رافد، وألف خطة عمل جاد مستقبلى تستحى السنون المقبلة ألا ترحب بمقدم صاحبها الدؤوب الجاد الدكتور أركان حرب ثروت عكاشة الذى خرج بحكمة أن تاريخ الوجود ليس إلا كلمة منى أو كلمة منك أكتبها أنا أو تكتبها أنت!

وصلنا قبل موعد الالتزام بخمس دقائق لنظل نطوف حول فيلته فى أطراف المعادى كى لا نلمس جرسا يخدش إطار الصمت المقيم إلا فى موعد قدر له بالتمام.. وإلا.. ولست أدرى ما كان الدافع لتلك الـ إلا اللـهم إلا أنها من آثار رهبة لم تزل عالقة بالذاكرة عندما كان لى فى التسعينيات شرف نشر ملخصات ملونة من موسوعاته الثرية فى مجلة نصف الدنيا التى كانت تقدمها لنا على صفحاتها تلميذته الصديقة الكاتبة نجوى عزت، فيحدث سهوا ما لا يحمد عقباه بسقوط حرف غصبا، أو تجنيب صورة عفوا، أو اختصار تعليق لضيق المساحة، فتأتى غضبة المدقق قائد العسكر على عساكر القشلاق لها وقع توقيع الجزاء بتدويرهم مكتب فهو الحريص أبدا على الكمال لنيل راية النصر فى أى من ساحات الوغي.. ولا أدرى ما سر ذلك الخاطر الذى راودنى أثناء مروقى فى الحديقة شبه الجرداء التى لا تغنى نباتاتهاالمتخاصمة تحت سماء شتوية منسحبة الضوء، وفى صعودى الدرج الرخامى القليل، وفى البهو الذى يلاقينى بأصالة مكان تتوسطه لوحة من الزجاج المعشق لأحد أعمال بيكاسو التكعيبية التى تنشطر فيها نساؤه إلى عدة وجوه لجسد واحد، وفى استقبال الفلبينية التى لا تستطيع تحديد سنها فيما إذا كانت تحت السادسة عشر أو فوق الستين، من لا يمثل لها صاحب الدار سوى مسئولية عهد بها إليها، حيث لا تعى آسيويتها المغتربة منزلة سيدها ولا معنى تلك المجلدات التى يعكف عليها ما لا يقل عن ثمانى ساعات يوميا.. فى ذلك المروق إليه لا أدرى لماذا افتقدت ـ ليكتمل الإطار داخل سيناريو مناخ المعادى بالذات ـ كلبا ضخما ينتمى لسلالة عريقة يخب كسولا بساقيه يلاحقنا بود مسالم فوق مربعات الرخام ومسطحات السجاد الثمين.. كلب يقعى تحت أقدام صاحب البيت رفيع المنزلة ليؤانسه فى جلوسه الطويل خلف مكتبه، ويتمطى أمام فراشه الذى تعلوه ثلاث لوحات رومانسية للفنانة الفرنسية الناعمة مارى لورانسان تجلب نوما كأرجوحة الياسمين بين جدائل النرجس والزنبق والأوركيد محملا بوجوه حسناوات فى عمر زهور لم تتفتح أكمامها بعد.. ويستقبلنا السفير الفارس بثيابه الكاملة التى لا يغادر حجرة نومه متخليا عن قطعة منها حتى الصديري.. يجالسنا وفى الرحاب الأثيرى من حوله جميع إيحاءات اهتماماته المتوجة قولا ولونا ونغما.. فاجنر يأتينا بصدى موسيقاه.. جبران تتكشف لنا نورياته. أوفيد يرسل أشعاره.. يونانيات التاريخ تحف بابن عكاشة فى تمام أناقته بالصالون الأوبيسون العريق وكأنه يطل علينا من فوق جبل الأولمب فى هالة يتبدى فيها جمال أفروديت وحكمة أثينا وعفة ديانا ووفاء أنتجونا ودهاء أوديسيوس وجسارة أخيل وقوة هرقل وعربدة ديونيسوس.. و..إلى مكتبه يجلس تظللـه خلفية المنمنمات الفارسية بينما يصطف على أرفف المكتبة المواجهة له لقطات له مع شارل ديجول وعبدالناصر وملك السويد كارل جوستاف وجاجارين أول رائد فضاء وشارل مينوش أعظم قائد أوركسترا فى العالم، وصورة لحسناء هوليوود فى الخمسينيات انجريد برجمان بإهداء منها أرسلتها له ممتنة دعوته لها على العشاء، لقطة كانت فيها انجريد لم تزل فى قمة شموخها لم يتهدل حسنها بعد لتصلح للقيام بدور جولدا مائير.. جدرانه تخايلت بأزاهيرها.. لوحات حقيقية وليست نسخا أو مسخا بتوقيعات لها وقر فى الأعماق وشهرة فى الآفاق، وقدرة اقتناء لا يقدر عليها فى وقتنا الحالى إلا الندرة.. أعمال خرجت من مراسمها بشوكها لتسكن إليه ويسكن إليها.. لوحات لمشاهير لم تظهر فى معرض أو متحف أو صفحات مؤلف فنى استأثر بها د. ثروت عكاشة، وكل منها له عنده ذكري.. الفنان العالمى شاجال يذيل لوحته بإهداء للصديق العزيز ثروت..

لوحة لمحمود سعيد يتمشى فى ساحتها حماره الأبيض حملها الفنان السكندرى الشهير هدية لمكتب أول وزير ثقافة مصرى وثامن وزير ثقافة عالمي.. مقاهى وملاهى للفنان سيف وانلى اقتناها فى شرخ الشباب بثمانين جنيها تتوسطها ملامح جالينا أولانوفا راقصة الباليه الأولى فى الاتحاد السوفيتي. الأخوان وانلى الذى قام بزيارة مرسمهما بالإسكندرية فى عام 1958 عندما كان يشغل منصب وزير الثقافة التنفيذى للإقليم المصرى وقرر تنظيم جولة لهما فى مختلف أنحاء الجمهورية لرسم معالمها.. ويخصنى محدثى بمشاهدة الغابة الرومانسية فى اللوحة الضخمة بحجرة المائدة التى أهداها له ملك إيطاليا عمانويل من أعماله فى صباحية زيارته له بعدما استشعر غزارة معارفه الفنية، وحملها إليه رجال أشداء من الحرس الملكي.. وبين لوحات من صنع ألوان البشر كان هناك وجه حورية من خلق اللـه قدمها بأنها زوجته الراحلة الحبيبة كريمة رجل القانون المستشار عبدالفتاح بك لطفى التى أنجبت له محمد ونورا من جعلاها جدة لـتيمور وشريف ومحمد وعمر ونها، ومع نظرته المدلهة بها يذكر أنه لولاها ما استطاع أن يخطو خطوة صحيحة فى طريق أو يحقق ذرة من نجاح، ويأتى تعقيبه البليغ بصدق الحديث الشريف: الدنيا متاع، وخير متاعها الزوجة الصالحة.. وقبل أن ألقى نورا كريمته خريجة الآداب قسم اللغة الإنجليزية شاهدتها طفلة فى لوحة رائعة من أعمال الفنان صلاح طاهر فى بدايته التشخيصية قبل استغراقه فى تجريدية قواقعه وتسطيحه لحروفه الابتهالية.. نورا.. الابنة أم أبيها الراعية التى تشغلها صحته ووجبته ونور أباجورته وملمس الأرض تحت خطوته تخوفا من أن يكون السطح منزلقا..

الأب العظيم الذى عاش راهبا مقاتلا ليؤسس الثقافة المصرية المعاصرة، وجاب أقطاب الدنيا ليجلو عن العقل المصرى صدأ الرتابة.. والمنقذ الذى أنقذ آثار النوبة ومعبد فيلة ومعبد أبوسمبل عند إنشاء السد العالى، ومؤسس معهد الباليه والكونسرفتوار والنقد الفنى وأكاديمية الفنون ودار الكتب والوثائق وقصور الثقافة فى أنحاء الجمهورية، وأعاد تكوين أوركسترا القاهرة السيمفونى، وفرقة الموسيقى العربية، والفرقة القومية للفنون الشعبية، ومؤسسة السينما والمسرح، والسيرك القومى وعروض الصوت والضوء، ونظام التفرغ للأدباء والفنانين، ومتحف المثال مختار، ومتحف مراكب الشمس، ودار النسجيات، وفى عهده قادت أسماء لامعة العمل الثقافى أمثال يحيى حقى، وزكى نجيب محمود، ونجيب محفوظ، وعلى الراعى، وعبدالعظيم أنيس، ومحمود أمين العالم، وفؤاد زكريا..

عكاشة المولود فى 18 فبراير1921 بالقاهرة الذى عمل وزيرا للثقافة خلال ثمانى سنوات على فترتين من عام1958 إلي1963 ومن1966 إلي1970 وبين الفترتين كان رئيسا لمجلس إدارة البنك الأهلى وقبلها سفيرا فى روما، وقبل السفارة ملحقا عسكريا، وفى السنة الأولى للثورة كان رئيسا لتحرير مجلة التحرير لمدة عام خرج بعدها ملحقا عسكريا بعدما ضاقوا ذرعا باتجاهاته الليبرالية ورأوا أن فى إبعاده خيرا ليس عن المجلة فقط وإنما عن البلد كله فهو خير سبيل لتفادى الصدام الوشيك..

فى عهد ثقافته الوزارية كانت هناك نهضة مسرحية لم يسبق لها مثيل نشأ بين ربوعها المسرحيون الكبار أمثال رشاد رشدى ويوسف إدريس وسعدالدين وهبة وميخائيل رومان ومحمود دياب وعبدالرحمن الشرقاوى ونعمان عاشور، ونشأ مسرح الطليعة التجريبى، وازدهر فن الأوبرا بأعمال كبيرة وذاع نجاح المسرح الغنائى، وعرضت مسرحية ياليل يا عين وأعمال سيد درويش وزكريا أحمد، وقام الشاعر عبدالرحمن الخميسى بتعريب «الأرملة الطروب» لفرانزليهار.. ويروى دكتور ثروت عكاشة: ولم تكد الأوبريت تنتهى حتى كنت بين يدى أم كلثوم فى مقصورة الشرف أستمع إلى رأيها فإذا هو حماسة متدفقة وإعجاب عميق بأن تنبثق فى مصر تلك الطاقات الهائلة من الموسيقيين وأفراد الكورال والمغنيين والمغنيات الذين يؤدون عملا أوروبيا له قيمته العالمية بمثل هذه المقدرة والتفوق، وأسعدنى أنها باتت مؤمنة أن هذه الفرقة تستطيع أن تخرج للعالم وتبهره...

فى مشواره الثقافى الخاص قدم الدكتور ثروت عكاشة ما يزيد علي55 كتابا تأليفا وتحقيقا وترجمة منها موسوعة تاريخ الفن «العين تسمع والأذن ترى» فى 19 مجلدا استغرقت منه 25 عاما، وترجم أعمال جبران جميعها، وله مذكرات فى السياسة والثقافة، ومؤلفات بالإنجليزية والفرنسية، ومن نبع وفائه لمصر كتابه «مصر فى عيون الغرباء»، ومنحنا الدكتور ثروت معجما للفنون المرئية من تصوير ونحت وعمارة ومسرح وموسيقى وباليه وغناء أوبرالي.. ومن ترجماته أشعار أوفيد آخر الشعراء الأوغسطيين الذى ولد عام43 قبل الميلاد وتوفى عام18 ميلادية، الشاعر الذى نفاه الإمبراطور أوغسطس إلى مدينة توميس على البحر الأسود إثر ظهور كتابه «فن الهوى» عقابا على مغامرته الطائشة مع الأميرة جوليانا ابنة الإمبراطور.. ومن بين قصائد أوفيد أبيات تحمل خلاصة نصائحه للجميلات منها:

جــديــر بـكن أن تـذكــرن الشيخــوخــة المـرتقــبـة

حـتى لا تضـيع ســـدى منكـن ســاعــة مــن زمــن

امرحن ما وسعـكن المـرح، ما دمتن فى ربيع العمر

السنون تمر كما يمر الماء فى انسياب

وما ارتدت قط موجة مضت

العمر ينزلق على إيقاع سريع،

وما يأتى به الزمن ليس فى روعة ما ذهب

وفى مشواره الثقافى عامة كان الدكتور ثروت عكاشة حريصا على الحفاظ على الهوية القومية بحيث لا تعنى لديه من قريب أو بعيد الانغلاق على الذات، وإنما الانفتاح على جميع التيارات الثقافية العالمية، وفتح النوافذ للـهواء الطلق النقى، وليس للرياح التى تخلع البيت من جذوره، وكانت ثقافته الموسوعية دليلا على أن الفكر لا وطن له، وأن الحضارة تراث واحد ممتد ومتواصل لابد وأن ننهل منه كيف شئنا، أما الانغلاق والتقوقع فليس إلا دليل التخلف.. وقد كان جيل عكاشة يؤمن بهذه البديهية، فما الذى حدث لنا بعد كل هذه السنين كى يزعجنا اجتهاد كاتب نطالب بمصادرة مؤلفاته ـ الكـلام عام 2007 ــ وما الذى تغير حتى أصبح التحريم شعارا، وكيف نهرب من الأفكار الجديدة مثل الحمام الجبان الذى أزعجته طلقات الصياد؟!! ويسألونه عن ارتباط الفن بالسياسة فيأتى بيانه بأن الفنان كان على مر التاريخ فيلسوفا سياسيا، فالفن من مقتضياته التمرد والعصيان والاحتجاج على ما هو متراكم، ومثال ضارب فى عمق التاريخ القديم يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد عن مثّالين إغريقيين هما كريسيوس ونيسيا تيز اللذان نحتا مجموعة النحت الشهيرة المعروفة باسم مصرع الطاغية خلدا فيها الصديقين هارموديوس وأريستو جيتون بعد أن اغتالا هيباركوس طاغية أثينا، فظلت هذه المجموعة النحتية المحفوظة بمتحف أثينا القومى إلى اليوم عظة وعبرة أمام الملوك والحكام حتى لا يتمادوا فى الصلف والاستبداد.. وفى عصرنا الحالى القريب بين أيدينا فى متحف برادو بمدينة مدريد باسبانيا لوحة الجيرنيكا التى رسمها الفنان بابلو بيكاسو فى عام1937 تعبيرا رمزيا صارخا، احتجاجا على القصف الوحشى لبلدة جيرنيكا خلال الحرب الأهلية الاسبانية بقنابل طائرات ألمانيا النازية.

عكاشة.. ثائر يوليو الذى عجل بالثورة عندما أبلغ الضباط الأحرار بالتقرير الموجود على مكتب الملك فاروق عن نشاطهم فانتوى قطع دابرهم فى القريب العاجل.. الملتزم الكتوم الذى حافظ على السرية التامة فى علاقته على الناحيتين بكل من زوج شقيقته وزملائه الضباط الأحرار، وأن يتوازن فى موقفه بين العلاقتين المهمتين فى حياته باقتدار فيخفى خبر زملائه الثوار عن زوج شقيقته أحمد أبوالفتح صاحب جريدة المصرى التى خاصمتها الثورة وأغلقتها فيما بعد.. من أراد له والده مستقبلا فى كلية الحقوق فلم يمكث بها سوى ستة أشهر ليلتحق بدون علمه بالكلية الحربية، وهو الذى ينتمى إلى الطبقة المتوسطة ذات الأصول الريفية، فكان جده لأبيه عمدة لإحدى قرى البدرشين، وكان والده الذى ترقى فى السلك العسكرى لدرجة لواء يشغل لسنوات عديدة منصب مدير عام سلاح الحدود.. الفارس ثروت عكاشة ليس لأنه كان ضابطا فى سلاح الفرسان فقط وإنما لأنه عندما طلب منه عبدالناصر الذى تخرج معه فى نفس الدفعة عام39 أن ينضم لمجلس قيادة الثورة رفض لأن هناك حسين الشافعى الأقدم منه فى سلاح الفرسان..

الثائر الفارس عندما ذكر الحقيقة خرج عن المنظومة فتم إقصاؤه بعيدا هناك خارج القطر.. ملحقا عسكريا فى باريس.. استنكر العنف الذى تعامل به مجلس القيادة مع سلاحى المدفعية والمدرعات عندما طالب الأول بأن يكون تمثيل الأسلحة فى المجلس بالانتخاب لا بالتعيين، وتمسك الثانى المدرعات ـ بعودة الحياة الديمقراطية، وهذا العنف بلغ مع بعض ضباط سلاح المدرعات حدا من الهوان والإذلال لم يعرفوه من قبل مما دل بوضوح على أن النية كانت معقودة مبكرا على ألا أحزاب ولا ديمقراطية ولا شيء من هذا اللغو ووجع الدماغ، وقد وصف ثروت عكاشة محاكمة بعض ضباط المدفعية التى انعقدت فى يناير1953 أى بعد قيام الثورة بأشهر قليلة بأنها بداية الطريق الذى مضت فيه الثورة تأكل أبناءها! أما ضباط الفرسان المتمردون بعدها بشهور فقد واجهوا من التنكيل والتعذيب ما يندى له الجبين خجلا وهم رفقاء سلاح، بل أصحاب الفضل الأول فى إنجاح الثورة نفسها، فلولاهم ما قامت ثورة ولا تحرك سلاح، وإذا كان هذا هو حال الرفاق فى المدفعية تارة وفى المدرعات تارة أخرى فما بال غير الرفاق.. ورغم الموقع البعيد عن الرفاق فقد ظل الثائر حريصا على وطنه يستقرئ أخباره فيحصل على معلومات مؤكدة من خلال وظيفته الحساسة كملحق عسكرى داخل عاصمة الفرنسيين حول اتفاق جهنمى بين كل من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل على الهجوم على مصر «الاعتداء الثلاثى عام1956»، ويرسل الفارس اليقظ من موقعه البعيد بجميع المعلومات والخطط والتحركات لجمال عبدالناصر.. و.. انهزمنا.. وعرفتها منه.. من ثروت عكاشة عرفت سر هزيمتنا أيضا فى عام1967.. عرفت أن الفهلوة والهرجلة، وكله تمام يا فندم، ومن بره هللا هللا ومن جوه يعلم اللـه، كلها قادت لوضع أنوفنا فى التراب بالهزيمة التى زيفنا وقعها على أسماعنا كالنعام بقولنا إنها نكسة.. عرفت أن قدرنا وسلو بلدنا الإهمال والكلفتة، وذلك عندما كشف الدكتور ثروت عكاشة عما أسر به إليه عبدالناصر من قلقه بشأن الصاروخ المصرى الذى بذلت فى سبيله جهودا مضنية لضبط دقة التوجيه دون الوصول لنتائج مرضية حتى أنه علق لعكاشة بأن صاروخنا إذا صوبناه إلى تل أبيب أخطأ هدفه وأصاب بيروت، وعهد إليه بالبحث عن حل للمشكلة فى باريس، إما بالحصول على الخبرة الفرنسية، وإما بشراء عدد من آلات الجيروسكوب اللازمة لتوجيه الصاروخ توجيها دقيقا، وطلب منه المرور على المشير عامر للتعرف على مزيد من التفاصيل، فقام المشير بإرسال خبيرين إلى منزل عكاشة ليشرحا له النواحى التقنية، فلما طلب منهما تزويده بالمواصفات المحددة أصرا على عدم تسليمه إياها ـ حرصا على الأمن القومى إلا على سلم الطائرة فى مظروف مغلق!! وفي22 فبراير التقى عكاشة ببيير مايار أمين عام جهاز الدفاع القومى الفرنسى لعرض الطلب المصرى، وبعد مداولات مرهقة والسؤال التقليدى من الجانب الفرنسى عن عدد أجهزة الجيروسكوب المطلوبة بالضبط مما جعل عكاشة يرسل ليستفسر عنها فأتى الرد بأن مهمته محددة فى السعى فقط للموافقة المبدئية.. و..جاء السيد بيير للفندق محل إقامة وسيط الاتصال ــ ثروت عكاشة ــ ليبلغه أن الفنيين قد أنهوا إليه أن المواصفات الفنية التى أعطاها له تنطوى على ما يخالف الطلب الشفوي.. وكان وجه الاختلاف ـ حاجة بسيطة خالص خالص ـ أن التصميمات التى تم تسليمها كانت خاصة بأجهزة صواريخ جو ـ جو هذا بينما المطلوب كان تصميمات أجهزة صواريخ أرض ـ أرض وإذ قام ثروت عكاشة بعدها بسؤال الضابط المنوط بهذه الصواريخ والمسئول عن المعلومات الخاطئة عن الجيروسكوب وعددها أجاب باستهتار هازئ كفاية يبعتولنا واحد واحنا نعمل زيه..

ومثل هذا التصرف المشين ما جر مصر لهزيمتها النكراء، ولو تزودت مصر بالجيروسكوب الموجه الذى يتبع المواصفات لتغير مجرى الحرب ومجريات الأمور ولم يتجمد جريان الدم فى العروق.

وأسائل النفس عن السر فى عائلة عكاشة التى نذهب إليها نجر سلاسل السأم وأثقال الاكتئاب لنغادرها فى ميلاد جديد نصادق معه الدنيا وننتوى إنتاجا ونشاطا.. وأجدها.. فى ذلك العشق العائلى العكاشى لعلم النفس.. لقد استهل الدكتور ثروت عكاشة مؤلفاته بكتاب تربية الطفل من الوجهة النفسية وعلم النفس فى خدمتك.. وكان من أكبر المدافعين عن اللاشعور، ومثال ذلك عندما كان رئيسا لتحرير مجلة التحرير عام1953 بعد أحمد حمروش، عندما نشر عبدالرحمن الشرقاوى فى المجلة قصة الشاويش عبداللـه مما استشعرت منها السلطات مساسا بالسودانيين، وكان الرئيس محمد نجيب ينتمى للسودان عن طريق الأم، فأصدر الحاكم العسكرى أمرا باعتقال الشرقاوى، فراح عكاشة إلى نجيب ذاكرا له واقعة الشاعر الفرنسى أراجون حين كتب قصيدته الجبهة الحمراء التى تخيل الادعاء أنها تحريض على القتال، ولكن القضاء أخذ برأى مؤسس الحركة السريالية أندريه بريتون فى قوله «إن كل ما يتصل باللاشعور لا مؤاخذة عليه» واقتنع نجيب بحجة عكاشة النفسية وألغى أمر الاعتقال.. ويأتى الابن محمود ثروت عكاشة الذى أهداه والده مذكراته كى يغفر له انصرافه عنه فى مرحلة مهمة من حياته استغرقتها فيه أعماله ولم تترك له من الوقت متسعا لمبادلته العطف والحنان..

محمود الابن قد غدا الآن عالما نفسيا وأستاذا متخصصا بجامعة ييل الأمريكية فى علم النفس.. وها هو الشقيق أحمد عكاشة عالم النفس الشهير الذى يصغر شقيقه ثروت بـ14عاما.. وليس أبلغ ولا أصدق من الطبيب عندما يكشف عن طبيعة شقيقه الضابط صاحب الملامح الحزينة المقرونة بالشجن التى تختلف تماما عن الشخصية المرحة التى يعرفها عن قرب وتدوى منها القهقهات العالية، إلا أنه عند استغراقه فى العمل ينسى المرح ويتسم بالجدية والصمت، وكم نجح أحمد مرارا فى اختراق صومعة الشقيق الأكبر وصمته بمكالمة يروى له فيها نكتة تجعله يستغرق فى الضحك، بل أحيانا ما يطلبه هذا الشقيق بنفسه ليسأله عن آخر نكتة.. ويعترف الطبيب النفسى بتوفيقه الدائم فى جعل شقيقه الغاضب الجامح الثائر فى حالة من الاسترخاء والمرونة لأنه يعرف باطنه الإنسان الطيب المحب للخير الذى يثور فى سبيل الحق والإتقان لكنه سرعان ما يهدأ ويغفر أخطاء الآخرين.. الإنسان المرح الشغوف بكل متع الحياة إلا أن انبساطته انتقائية، أى أنه لا يشارك فى أى مجلس كان، وإذا ما شارك فلاشك أنه يتألق نجما للمكان بسخريته وبروح الفكاهة، وبثقافته المتنوعة الواسعة، وما التجهم الذى قد يلاحظه البعض إلا إحدى الحيل الدفاعية اللاشعورية التى تخفى طيبة متناهية..

ويسألون أحمد عن عواطف ثروت ووجدانيته فيجيب ببساطة العالم الذى لا يحجر على الحقائق العلمية: العاطفة عند شقيقى جزء مكمل للفن فهو ينظر للمرأة وكأنها أحد أجزاء الفن الموسوعى ينشد فيها أنوثتها لا جسدها.. وعاطفته نحوها ثابتة ومتقلبة معا.. ثابتة طالما استطاعت الإيحاء إليه بما تنطوى عليه الحياة من جمال، وطالما هى قادرة على مسايرته فى تذوق هذا الجمال والتحليق فى عالم النغم، ومتقلبة حين اكتشاف عجزها عن العروج معه فى مراقى المتعة الفنية.. ويوسع الدكتور أحمد عكاشة من دائرة كشوفه فى مدى تأثير قانون الوراثة عبر الأجيال عندما يقول إن شقيقه ثروت قد ورث عواطفه عن جدهما لأبيهما الذى أقدم مرة على الزواج من إحدى السيدات بعدما سمعها تعزف على العود بإجادة، غير أنه لم يلبث بعد الزواج أن اكتشف أنها لا تعزف سوى تلك المقطوعة التى سمعها منها فطلقها على الفور! ويضيف العالم الطبيب حول شقيقه فارس الثقافة أن الفص الأيمن فى مخه الذى يقود الإنسان إلى العلم يعمل بشكل خلاب، والفص الأيسر الذى يقود الإنسان إلى الفن يعمل بحيوية فائقة، ليغدو صاحب الفصين فى تعاونهما بمثابة معجم متحرك يهدى لنا هذا الذى يرى الموسيقى ويسمع اللوحة ويشم الشعر ويتذوق النحت ويحس الأدب.

و.. لم أكن أدرى ما طيب الوقت، ولا كينونة الوصف بأمتع لحظات العمر، ولا مفهوم أن تهدأ النفس من شعث اللغو، ولا التمنى بدوام الوصل، ولا أن ينهل ظمآن المعرفة من غلته، ولا أن يصل التائه إلى غايته، ولا أن يعثر التلميذ على معلمه، ولا كيف تتطهر النفس بالفن الرفيع.. حتى لاقيته.. كلها افتقدتها لحظة انصرافى من عنده تنتزعنى عقارب الساعة عنوة من حضرته قبل انحنائى تعظيما وإجلالا لقائد كتيبة الحجر على الإسفاف والسطحية.. قائمقام أركان حرب ثروت عكاشة.

فى حياته العريضة المثمرة لم يقف ثروت عكاشة أبدًآ أمام الكاميرات ليسجل حديثا اللـهم إلا لبضع دقائق أجاب فيها على أسئلة الراحلة سلوى حجازى بمناسبة نقل معبد فيلة فى أسوان. لكن المخرج جمال قاسم استطاع وحده القيام بتسجيل ساعات طويلة معه فى عامه الأخير ليضمها فيلما وثائقيا سوف تعرضه مكتبة الاسكندرية بمناسبة مئوية قائمقام الثقافة المصرية.


لمزيد من مقالات سـناء البيـسى

رابط دائم: