رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر أم الدنيا (14)

أيها العابر على أراضينا، والساكن فى وادينا هنا أشرقت شمس الحياة وأنجبت أبطال وعظماء التاريخ، على جدران مصر يحكى التاريخ قصصا لهؤلاء. ولا تتعجب حين ترى وتسمع ما ترويه الحكايات فقبل ضمائر الشعوب كان هنا الضمير، وقبل علماء العلوم كانت هنا حضارات، وقبل ما يدخل نور الإله فى القلوب كانت هنا بداية حياة الروح والعبادات.

وقد وجد مانيتون المؤرخ المصرى القديم الذى كتب تاريخ الأجداد العظام أن الأسرة الثامنة عشرة «1570-1404ق.م» يجب أن تبدأ بـأحمس العظيم، ومن عظماء هذه الأسرة أيضاً حتشبسوت، وتحتمس الثالث، وإخناتون وزوجته نفرتيتي، وتوت عنخ آمون.

ولم تكن عبقرية أحمس فقط فى بطولاته العسكرية أو أنه طرد الهكسوس ثم استراح وأخذ ينعم بالسلطة والعرش, بل كانت عبقريته أنه استطاع أن يبنى مصر من جديد وقد بعث الوعى الوطنى فى المصريين، وبدأ بتأمين حدود مصر الشرقية فأدرك أن أمان مصر هو عمق استراتيجى خارج حدودها فوصل إلى سوريا لتأمين البوابة الشرقية وبنى هناك قواعد عسكرية، كما أمن غرب البلاد وجنوبها أيضاً واستعاد النوبة.

وبدأ بتنظيم الجيش فضم إليه أعدادا كبيرة وقسم الجيش إلى فيالق وجناحين وعمق واهتم بالأسطول البحرى وأقام معسكرات تدريب للجنود ومعدات الحرب. وكان يطلق على الجيش أبناء الوطن المحاربين، ويطلق على الجندى ولا يزال إلى الآن لقب نَفر وهى كلمة مصرية قديمة تعنى الجميل.

ووضع أحمس أساسيات العمل الإدارى الجماعى وتنظيم الحكومة فقُسمت مصر إلى سبع وعشرين محافظة يحكمها أمير أو حاكم، وكل محافظة تنقسم إلى إدارات ومكاتب أصغر لخدمة الشعب. وكان لمحافظات قبلى أمير وآخر لمحافظات بحرى وكانا يتقابلان مع الملك أسبوعياً.

واهتم بشق الطرق وتعمير الصحارى والزراعة والمحاجر، واهتم بالعدل والقضاء فكتب فى هذه الفترة: كان يعطى الفقير كما يعطى القوى نصيبه، ولم يفضل الشخص العظيم على الحقير، بل كان يعاقب الظالم مهما يكن قدره. وأقام معبداً عند مدخل الكرنك ولكنه أُتلف فيما بعد، وصنع أوانى ذهبية مرصعة بالحجارة الكريمة لمعبد أمون بالكرنك. وتوفى وهو شاب فى سن الخامسة والثلاثين فحكم اثنين وعشرين عاماً.

وتولى العرش بعده ابنه أمنحتب الأول ولكن قبائل الغرب والجنوب حين سمعوا بوفاة أحمس أعدوا جيوشهم للهجوم على مصر فقاد بنفسه الجيش وانتصر عليهم فى الغرب ونزل إلى الجنوب وقضى على العصيان حتى الشلال الثالث فى السودان. واهتم بالعدل وأجور العمال، وبنى معبداً فى الكرنك وأبيدوس، وحكم عشرين عاماً. وهو آخر الملوك المصريين الذين دفنوا فى أهرامات، وبدأ بعده تحتمس الأول فى حفر مقابر فى صخور واد منعزل خلف جبال طيبة ليكون مأمناً من اللصوص.

وكان المهندس أنينى هو من قام ببناء المقبرة فى الجبل التى سُميت فيما بعد وادى مقابر الملوك. ويقول استرابوا إنها احتوت على أربعين مقبرة من الأسرة الثامنة عشرة وحتى العشرين. وحين مات أمنحتب الأول لم يكن له ولد من الملكة ولكن كان له ابن هو تحتمس من زوجة ليست ملكية، وحتى يكون هو الملك تزوج بالأميرة أحمس ابنة أمنحتب الأول وصار تحتمس الأول «1540ق.م». واهتم أيضاً ببناء القلاع والقواعد العسكرية فى سوريا فبنى فيها على الفرات صرحاً عسكرياً. ولكنه أيضاً لم يعش له أولاد من الملكة الزوجة ولكن أنجب حات-شبسوت وقد أعلن الملك الطاعن فى السن أن ابنته حتشبسوت شريكة له فى الحكم ووريثة للعرش. ولكن حدثت مشاحنات بين الكهنة وكبار الموظفين بأن تكون حتشبسوت هى وريثة العرش لأن من يجلس على العرش يجب أن يمثل الإله حورس، ولكن كانت حتشبسوت فى نهاية حياة أبيها هى المتحكمة فى البلاد. وكان لـتحتمس الأول أبن من زوجة غير ملكية أيضاً وهو تحتمس الثاني.

وكان تحتمس الثانى شخصية ضعيفة وهزيل الجسد والنفس أيضاً فكانت هى الحاكمة الفعلية للبلاد خاصة أن تحتمس الأول قد أعلن فى نهاية حياته أنها وريثة العرش، ويوجد نقوش له يخاطب البلاط الملكى ويقول: عليكم أن تطيعوا جلالتها فالذى يخضع منكم يعيش، ومن يغتاب جلالتها لن يُترك حياً. وقد أُعدت لهذه المهمة بالتعليم والتدريب منذ صغرها، وكانت فى عمر العشرين حين تزوجت تحتمس الثانى وأنجبت منه ابنا وبنتين، ولكن الابن مات فى طفولته، وكان للملك ابن أيضاً من زوجة غير ملكية اسمه تحتمس الثالث أراد أن يكون هو وريثاً للعرش من بعده، وحتى يضمن مساندة كهنة آمون له لما لهم من تأثير على الشعب وإعلان شرعية الملك أودعه عندهم فى المعبد وهو صغير ليتربى على أيديهم ويشعرهم بأنه أبن لهم أيضاً. ومات تحتمس الثانى شابا ويقال إنه كان فى بداية الثلاثينيات وإنه حكم فقط ثلاث سنوات مما أثار الشكوك فى مقتله. وكان تحتمس الثالث فى الحادية عشرة من عمره وحتى يجلسه كهنة أمون على العرش أمام سطوة حتشبسوت صنعوا قصة محبوكة؛ فبعد أيام من موت أبيه وفى أحد الاحتفالات خرج موكب الإله آمون وكان تحضره حتشبسوت وكانت الكهنة تحمل تمثال آمون فوقف التمثال أمام فتى صغير وسط الكهنة كان هو تحتمس الثالث وأظهر الكهنة أن التمثال لا يريد أن يتزحزح فأعلنوا إرادة الآلهة فى جلوسه على العرش. وقبلت حتشبسوت بهذا مؤقتاً بعد أن أعلنوا وصايتها على العرش لأنه لا يزال فتى صغيراً. ولكنها كانت تجمع حولها مناصرين وحزبا قويا فكانت هى الملكة الحقيقية، وبعد ثلاث عشرة سنة أزاحت تحتمس الثالث بعد أن أعلن كهنة آمون أسطورة ميلادها، وإن الإله آمون هو أبوها الحقيقى نتيجة اتحاده بوالدتها وبذلك فهى تمثل الإله على العرش. وكُتبت هذه الأسطورة على جدران معبدها بالدير البحري. وجلست هى على العرش ويختفى تحتمس الثالث من المشهد مؤقتاً ليعود بعد موتها، وليكتب التاريخ أعجب القصص فى تاريخ مصر أم الدنيا.


لمزيد من مقالات القمص أنجيلوس جرجس

رابط دائم: