رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فتح الدمامل وتنظيفها

فى تراثنا الشعبي- خاصة الريفى منه- شيء يسمونه أم القيح، التى يجتهدون للوصول إليها وإخراجها من مكمنها، ليتأكدوا من نجاح عملية علاج الدمامل، التى قد تستفحل لتصبح خراريج.. ذلك أن الدمل الخراج له رأس مدمم بلون الدم المختلط بالصديد، وله علامات يعرفون بها أنه «طاب»- أى جاهز للفتح والاعتصار- ويظلون يعتصرونه ليتدفق الصديد الدموى أو الدم الصديدى حتى لا يتبقى منه أى بقية، والعلامة هى خروج كتلة صديدية، يعقبها خروج دم أحمر نقى من أى شوائب بيضاء! وهكذا ما يحدث فى مصر الآن، ومنذ وضعت ثورة 30 يونيو على أرض الواقع، ليتم اختبار جديتها، وحقيقة أنها ثورة وليست انقلابًا.. ما يحدث هو اكتشاف الدمامل والخراريج والبؤر الصديدية الملوثة، التى كانت قد انتشرت فى الجسد المصري، حقيقة لا مجازًا، وتمكنت منه إلى أن تقيحت الضمائر بدورها وصارت مصدرًا لمزيد من تفاقم الحالة.. وفى المقدمة من تلك الدمامل والبؤر تأتى العشوائيات، التى تكاثرت وكانت وبقيت علامة ظاهرة فاضحة لضياع هيبة الدولة، وكاشفة لحجم وخطورة ما ساد من تسيب وفساد وفوضى وإجرام. وها هى دولة 30 يونيو- بقيادة عبد الفتاح السيسي- تحاصر الدمامل والبؤر، وتعمل على اعتصار صديدها بقوة حاسمة، حتى تخرج أم القيح، وليندمل الجرح سريعًا ويبذل جهد رهيب حتى لا يتلوث ويتقيح ثانية، مهما تكن الظروف. بالأمس القريب كانت الجولة، أو بالمعنى الأصح الدقيق المعاينة الرئاسية والحكومية لخراج كبير قديم اسمه «عزبة الهجانة»، التى لم يكن الصديد قصرًا على حدودها فقط، بل كان ينتشر وبقوة إلى المناطق المجاورة، ومنها بالصدفة أحياء مصر الجديدة ومدينة نصر، التى اعتبرت أحياء راقية. وقبل أن أستطرد أقول وأؤكد أنه حاشا لله أن يكون أوصاف الدمامل والصديد وغيرها مقصود بها خلق الله من إخوتنا المواطنين، الذين يعيشون فى تلك التجمعات، إذ لهم كل الاحترام، ولكننا نتكلم عن ظروف وأوضاع اجتماعية واقتصادية وسلوكية فرضت أن تصبح التجمعات العشوائية بؤرًا صديدية فى جسد الوطن.. مثلما يكون الفاسدون والمرتشون والمهملون بؤرًا صديدية فى أكثر من مجال، وبغير استثناء، ويكون الاعتصار لاستئصالهم فرض عين على السلطة والمجتمع. لم يكتف الرئيس السيسى بالتشخيص، ولم يقف عند حدود المسكنات، ولم يفضّل أن يكون العلاج تجميليًا مؤقتًا، ولم يقبل أن تحاط تلك البؤر بأسوار لتلتهم بعضها، كما النيران، حتى تفنى من داخلها، وعلى قاعدة «لا من شاف ولا من دري»، وإنما، وعلى النحو الذى نراه ونتابعه- وبدون أدنى رتوش إعلامية تجعل الوهم حقيقة- قرر المواجهة المباشرة، وقرر حتمية العلاج وبالجراحة الصارمة؛ إن تطلب الأمر.. وها نحن شفنا الدمامل والخراريج تصفى وتنظف وتلتئم واحدًا بعد الآخر، رغم أن بعضها كان مخيفًا ومرعبًا فى مساحته وطبيعة شوارعه ومبانيه ونوعية كثيرين اتخذوه موئلًا لإجرامهم وانحرافاتهم. إنني، وقد زرت بعض هذه التجمعات، أدرك أنها جعلت من العاصمة خراجًا كبيرًا، رغم أن العاصمة يجب أن تكون معصومة مما قد يصيب مدنًا أخري، ومن خراج العاصمة إلى عواصم المحافظات بلا استثناء، ثم- وكما أسلفت- انتقل الأمر من مساحات على الأرض إلى أعماق فى الوجدان والضمير العامين، وحتى صار الكلام العابر والمتعمد بل والأبحاث والدراسات ترصد وعى المصريين وثقافتهم وأخلاقهم، وتتساءل عن ماذا حدث لنا ومتى وكيف.. ومن المسئول؟!. ورغم أن من يتصدى لمهمة التنظيف والبناء الآن يرفض التخلى عن مهمته ويرفض تعليق المسئولية على شماعة من تسببوا عمدًا فى هذه الدمامل، إلا أن العقل الجمعى المصرى عليه ألا يهمل البحث فى الأمر، ليس من باب الإدانة لمن تسببوا وفقط، إنما من أبواب عديدة منها الحيلولة دون أن تتكرر الظاهرة إذا تكررت الظروف التى أدت إليها، وبالتالى تحديد العوامل المختلفة التى تحول دون تكرار الظروف، ومنها استخلاص الدروس التاريخية المستفادة من الحقب السابقة، ومدى تأثير تشابك السياسى والاجتماعى والاقتصادى على استفحال المشاكل الداخلية. ولقد سمعت من شاهد تاريخى حديثًا عن الوقائع التى أدت إلى وجود بعض العشوائيات حول القاهرة، إذ روى لى الصديق المهندس كمال غنيم- وهو صاحب رؤية اقتصادية متكاملة، اكتسبها من عمله فى مجال الإنشاءات- أن منتصف السبعينيات شهد تدفقات بشرية من بعض محافظات الجنوب إلى القاهرة، إذ عمد بعض مرشحى انتخابات مجلس الشعب- آنذاك- فى بعض دوائر القاهرة، كالسيدة زينب والخليفة والجمالية، إلى استجلاب الألوف من تلك المحافظات ليستخرجوا بطاقات على عناوين فى تلك الدوائر، ليكونوا أصواتًا تأتمر بأمر من جلبهم، وأقيمت خيام فى سفح المقطم، ومع الخيام «عشش صفيح» لزوم قضاء الحاجة- أى دورات مياه بدائية- وكانت دعواهم آنذاك أن هؤلاء المستقدمين سيعملون فى تنظيف العاصمة من القمامة، ومع القمامة استفحل وجود حيوانات الخنازير، حتى صار الأمر لما صار إليه. وهكذا الحال فى دائرة مصر الجديدة، إذ استقدم البشر من تلك المحافظات ليتكدسوا حول المبانى السكنية التى كانت مخصصة- منذ زمن بعيد- لجنود الهجانة التابعين لسلاح الحدود، وكلما جاء قادم لحق به أقرباؤه الباحثون عن مصدر رزق، حتى وصل الدمل إلى خراج ضخم يتم فتحه الآن وتنظيف ما تراكم من صديد.. ويبقى صديد المسلكيات والضمائر، وذلك حديث آخر.


لمزيد من مقالات ◀ أحمد الجمال

رابط دائم: