رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فخ التكنولوجيا

كل الكائنات الحية لديها خطط وحيل لتدبير أمورها للحياة فى وسطها الطبيعى ولكن الإنسان هو الكائن الوحيد من بينها الذى يمتلك التكنولوجيا. وغاية الإنسان من التكنيك ليست ثابتة بل تتغير بتطور الحياة البشرية ذاتها. فوظيفة التكنيك عند الفيلسوف الألمانى ارنست كاب هى أن ينأى الإنسان بنفسه عن الخضوع لقوانين التطور البيولوجى الصارمة. فقد اخترع الإنسان المطرقة لكيلا يصبح كفه مثل كف الغوريللا واخترع الكماشة لكيلا يصبح مثل مخلب الكابوريا. لقد كان الهدف هو أن يمتلك الإنسان كل مهارات الأنواع الحية الأخرى وفى الوقت نفسه يحافظ على تكوينه البيولوجي. وهذه هى مرحلة الأدوات. والأداة هى وسيلة متاحة يلجأ إليها الإنسان عند احتياجه لها ثم يلقيها جانبا.  وفى مرحلة لاحقة مع تطور العلوم والاهتمام بالملاحظة الدقيقة كمدخل لمعرفة الحقيقة كان الهدف من التكنيك هو تقوية الحواس الإنسانية وزيادة مداها. وفى هذا الإطار تم اختراع سماعة الطبيب التى تتيح الاستماع إلى ما لا تسمعه آذاننا فى الظروف العادية، والميكروسكوب الذى نرى به ما لا يُرى بالعين المجردة، والتليسكوب ونرى به أبعد مما يصل إليه بصرنا، وقد كان لهذه الأدوات دور حاسم فى تقدم العلوم.

مع الثورة الصناعية واكتشاف الطاقة البخارية دخل التكنيك فى مرحلة أكثر ازدهارا وتأثيرا. فالقطارات والسيارات والطائرات وماكينات المصانع والروافع الميكانيكية والمصاعد الكهربائية كلها ظهرت فى عصر الثورة الصناعية. قوبلت الثورة التكنولوجية فى البداية بترحيب وحماس بالغين. واقترنت بها ثقة مفرطة فى العقل الإنسانى واطمئنان إلى التقدم العلمي. وحملت هذه الطفرة معها التفاؤل بقدرة الإنسان على أن يجد دائما فى التكنولوجيا حلا لمشكلاته, كما حملت معها زيادة فى الانتاج وفى استهلاك الطاقة. ظهر التوجس من التكنولوجيا واحتل مكانا بارزا فى صدارة مشهد هموم البشر بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية حيث ظهر للعيان التأثير المميت والمدمر للتقدم التكنولوجى فى مجال السلاح. دافع أنصار التكنولوجيا عن فكرة حياد التكنيك ورأوا أن المشكلة تكمن فى اختيار الإنسان: هل يوجهه لمصلحة الخير أم الشر؟ وكان المثال الذى يسوقونه هو الطاقة الذرية التى يمكن أن تُستخدم لصنع قنابل فتاكة أو تُستخدم لأغراض سلمية فى مجالات الصناعة وتوليد الكهرباء. الفيلسوف مارتن هايدجر يرفض الزعم بحياد التكنولوجيا.

وهو فيلسوف وجودى يبحث عن إنقاذ الوجود الأصيل للإنسان من الغرق فى هموم وانشغالات الحياة اليومية. وهو نفسه أستاذ جامعى لكنه اختار أن يعيش فى بيت ريفى فى قرية صغيرة فى إقليم الغابات السوداء بألمانيا. وبالتالى كان متخلصا من فكرة الولع بالتكنولوجيا ووجه لها نقدا كان عظيم التأثير فى النصف الثانى من القرن العشرين. يرفض هايدجر التعريف الأثروبولوجى الذى ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها نشاطا واعيا للإنسان مثل اللغة والفن كما يرفض التعريف الأداتى الذى يعتبرها أداة يستخدمها الإنسان فقط حينما يحتاج إليها. يرى هايدجر أن الآلات تعيد صياغة العلاقات بين البشر وتخضعهم لمنطقها وغاياتها الخاصة. والدليل على ذلك أن الغايات التى سعى لها الإنسان من وراء التكنولوجيا لم تتحقق وما حدث هو العكس. فقد تصور الإنسان أنه بفضل التكنيك سوف ينعم بالراحة ولكنه تحول فى عصر التكنولوجيا إلى - حمار شُغل-، فلم يكن الإنسان مكبلا بالعمل ليل نهار مثلما هو الآن. وتصور الإنسان أن التكنولوجيا سوف تجعله مطمئنا على مستقبله ويأمن عوادى الزمن.

ولكن التكنولوجيا التى تتعامل مع الطبيعة على أنها مستودع مخصص للبشر وحدهم أسرفت فى استنفاد موارد الطبيعة وتلوث الماء والهواء مما زاد من قلقنا بشأن الأجيال المقبلة. وتحمس الإنسان للتكنيك لأنه سوف يجعله سيدا على الكائنات الأخرى يتلاعب بها كيفما شاء ويخضعها لمصلحته، فإذا به مع التقدم فى تقنيات الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعى يجد نفسه قد أصبح موضوعا للتلاعب!  التكنولوجيا فى رأى هايدجر هى ورطة للإنسانية وأزمة كبري. ما العمل إذن؟ يحذرنا هايدجر من التدخل الإرادى لأن إرادة الإنسان فى هذا المجال تزيد الطين بلة فذلك يعنى أن نحل مشكلة التكنولوجيا بالتكنولوجيا. يكفى فقط أن نكف عن الولع بالتكنولوجيا وألا نعلق عليها طموحاتنا وآمالنا فى حياة أفضل ثم ننتظر.. وبعدها يأتى الفرج.

قد يرى البعض أن هذه الانتقادات تؤدى إلى شيطنة التكنولوجيا، أى إلى جعلها شيطانا مسئولا عن كل مصائبنا، كما أنها تؤدى إلى رفض التكنيك الذى يحمل فى طياته رفض الحداثة والتقدم.

ومع تقديرنا لوجاهة هذه الانتقادات إلا أننا نرى أن الحل يكمن فى أنسنة التكنيك، أى يصبح الإنسان هو المسيطر على التكنيك وليس العكس ولن يتم ذلك إلا من خلال إدارة اجتماعية ديمقراطية تجعل اتخاذ قرارات تطوير التكنولوجيا ناتجا عن التداول الحر والاختيار الواعى للمواطنين. 


لمزيد من مقالات د. أنور مغيث

رابط دائم: