رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لو.. حرف امتناع لامتناع!

دائمًا أردد مع البعض أن حسابات التاريخ غير حسابات البقالة.. وأن إدارة الأوطان مختلفة عن إدارة الشركات، ثم أردد العبارة الشديدة الدلالة، وهي أن مقاول الهدم لا يمكن أن يكون مسئولا عن البناء والتشييد والإصلاح، ولذلك، واتصالًا بمقال الأسبوع الفائت عن مصنع الحديد والصلب، أجد أن المسئول الكبير الذي فقع تصريًحا يقول فيه إن المصنع لا يساوي بريزة، أي عشرة قروش، اعتمد منطق حسابات البقالة، بل ربما منطقًا أدنى من ذلك، لأنه وحتى في البقالة هناك ما يسمى كناسة الدكان، التي يحرص صاحب البقالة على القيام بها، لأن فيها ما يستفاد منه عظيم الفائدة، وقد خلدها الرائع يحيى حقي في إحدى قصصه!

ولو كان السيد الوزير- الذي فقع التصريح- لديه أدنى حد من مهارات الخطاب السياسي الإعلامي الموجه لرأي عام، جزء كبير منه محتقن؛ لاتجه إلى تثمين فكرة إنشاء المصنع في الخمسينيات، وأنه آنذاك كان تجسيدًا للإرادة الوطنية الساعية للاستقلال الاقتصادي والتنمية الشاملة، وأن المصنع- عبر مسيرته الطويلة- قدم للاقتصاد المصري إنتاجًا لا يمكن الاستغناء عنه في مجالات التصنيع الحربي والإنشاءات المدنية الكبرى من مصانع وجسور كباري، وبالأهمية نفسها كان مدرسة فنية تعلم فيها آلاف العمال والفنيين والمهندسين، انتشروا بعد ذلك في مصانع أخرى في القطاعين الخاص والعام.. وأيضًا كان يمكن للوزير أن يعلن بالشجاعة نفسها- التي يتحدى بها قطاعات من الشعب- الأسباب التي أدت بالمصنع لتلك الخسائر الفادحة، ومدى مسئولية الإدارة المكلفة من قبل زملائه الوزراء السابقين عليه، عن تلك الخسائر، ومدى مسئولية الذين أخذوا على عاتقهم مقاولات هدم القطاع العام وتصفيته، كجزء من سياسة عامة لحكم الرئيس السادات والرئيس مبارك، عن إهدار عشرات المشاريع والصروح وتحويلها من رابحة إلى خاسرة وإطلاق السوس عمدًا لينخر في أساسات وهياكل وإدارة تلك المشروعات الوطنية بمنطق خليها تطّربق على دماغ اللي فيها، وإضافة لأمر أراه في منتهى الخسة، وهو أن البعض ربط بين خصومته لثورة يوليو وقياداتها وسياساتها وبين الإنجازات التي تمت على أكثر من صعيد، داخليًا وخارجيًا، وكانت نتيجة هذا الخلط المشين تبديد أرصدة الوطن في تلك الأصعدة، ولم يدركوا أن ما أنجز كان وبقي رصيدًا لمصر وليس لعبد الناصر أو غيره.. وفي هذا السياق تروّج الآن- على صفحات التواصل الاجتماعي- عبارات نسبت للوزير، وقيل إنها منشورة على الفيس، فيها انتقاد وهجوم على ثورة يوليو باعتبارها انقلابًا عسكريًا.. وطبعًا هو كلام خبري يحتمل الوجهين.

ثم إنني تلقيت أكثر من مائة تعليق على مقال الأسبوع الفائت، منها تعليقات كتبها مسئولون فنيون عاشوا في مصنع الحديد والصلب، وعاصروا الأسباب التي أدت إلى خسائره ومنها سعر الطاقة المرتفع بأعلى كثيرًا من مثيله الذي يأخذ به القطاع الخاص في مجال الصناعة نفسها، ناهيك عن الغياب المتعمد لسياسة الإحلال والتجديد في المصنع، ولذلك كان محتمًا أن يخسر.

ولأن البكاء على اللبن المسكوب لن يستعيده، فإن الواجب يفرض البحث المضني عن كيفية ألا نصل- أو يصل أبناؤنا وأحفادنا- إلى البكاء على مشروعات قائمة وتقوم الآن، ضمن الجهد الجبار المضني الذي يسابق الزمن ويتحدى المستحيل لبناء مصر القوية، وهي ملك لمؤسسات في الدولة إذا ما تمكن السوس إياه أن يتسرب إليها بفعل فاعل يكون من سلالة الذين نشروا السوس في القطاع العام! وسوف يكون المنطق آنذاك– لا قدر الله– أنها مشروعات لا تساوي بريزة، سواء كان بريزة أيامنا الخوالي، أي عشرة قروش، أو بريزة الآن عشرة جنيهات، أو بريزة الأكابر مائة جنيه!

وأعود إلى ما سبق وطرحته حول الرأسمالية الشعبية التي يمكن أن تكتتب في أسهم لإعادة بناء صروح الحديد والصلب والمراجل البخارية وغيرهما، لأؤكد أن هذا هو الحل، لأن بريطانيا مثلًا عندما خصخصت شركات عملاقة- كالخطوط الجوية البريطانية- في عهد مارجريت ثاتشر طرحتها للاكتتاب العام واشترطت ألا يتجاوز ما يكتتب به الفرد عشرة آلاف جنيه إسترليني، للحيلولة دون أن تؤول هذه المشاريع الوطنية العملاقة لمالك وحيد أو عدة ملاك من فئة معينة، عرفناها ونعرفها الآن في المحروسة.. فئة تعبد الربح وفقط وتعتبر الكلام عن التزام وطني وأبعاد حضارية وثقافية كلامًا حنجوريًا لا لزوم له.

إنني أجدد الدعوة لتقصي حقائق تقويض وتصفية وخراب المشاريع التي بنيت بأموال الشعب، وهل تربَّح مقاولو الهدم إياهم، وهل تركوا هذا التربح لورثة يرتعون فيه بلا أدنى جهد، وأن تنشر هذه الحقائق.

ثم أختم بمفارقة عجيبة وهي أن الجوقة التي تخلط بين ثورة يوليو وقيادتها وبين إنجازات داخلية وخارجية وتنتقم من تلك المرحلة بهدم هذه الإنجازات, هي نفسها الجوقة التي تترحم كل لحظة على ميراث الأسرة المالكة وتتباكى على القصور واليخوت والنوادي والألقاب، وتزوّر التاريخ تزويرًا فاضحًا لا يخلو من سخرية عنصرية بشعة تنصب على الفلاحين وذرياتهم الذين تجرأوا وصاروا يمشون في الشوارع الخديوية.


لمزيد من مقالات ◀ أحمد الجمال

رابط دائم: