رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحمقى يموتون

الحمقى يموتون أو Fools Die واحدة من روايات ماريو بوزو المنسية بعد أن حاز على جائزة الشهرة الكبرى مع ثلاثيته عن الأب الروحي. الرواية تدور حول جون ميرلين الذي ذهب مع جماعة من الأصدقاء إلى لاس فيجاس للهو ولعب القمار؛ ولعب الزهر لعبته مع جون فربح أكثر من نصف مليون دولار، فجمعها وذهب قرب الفجر إلى سريره ووضع النقود حوله ثم وضع مسدسه في حلقه وأطلق الرصاص. انتحر الرجل في الفصل الأول من القصة، وباتت وظيفة الفصول كلها البحث عن السبب الذي جعل رجلا يطلق الرصاص على رأسه وهو في قمة النجاح. في مصر ربما يكون تفسير ذلك نوعا من اللعنة الإلهية؛ ولكن الدرس من الراوي هو أن في الحياة من الحماقة ما يكفي لكي يقفز شخص من القمة التي وصلها إلى هاوية لم تكن ضرورية. ولكن ذلك حدث في أمريكا، وعلى قمة السلطة الأمريكية في البيت الأبيض، وجري ذلك مع الرئيس الذي ذهب اليوم بعيدا عن البيت الأبيض دونالد ترامب؛ ومن الجائز أنه يحدث فعليا مع الرئيس الذي دخله اليوم جو بايدن. كلاهما وصل إلى القمة ونالها، ومع ذلك فإن الحماقة أخذت أحدهما إلى أسفل بالفعل؛ أما الثاني فهو لا يزال في بداياته ولكن أول المؤشرات لا يقول إن الحماقة ذهبت بعيدا. ورغم أن العرب ليسوا معروفين كثيرا بالحكمة، فإن واحدا من شعرائهم أظنه أبو الطيب المتنبي، ومعذرة واعتذارا إذا كانت الذاكرة قد خانت، قال: لكل داء دواء إلا الحماقة أعيت من يداويها.

قبل سنوات خمس وفي مطلع ربيع عام ٢٠١٥ نزل دونالد ترامب على السلالم من طابق مكتبه إلى البهو الواسع الذي تنتظر فيه الصحافة والإعلام في مبناه برج ترامب في مدينة نيويورك، وإلى جواره زوجته الفاتنة ميلانيا ترامب، في مشهد تاريخي تشع منه الصحة والثروة والقوة الجاهزة لإشعال أكبر ثورة سياسية عرفها التاريخ الأمريكي المعاصر. اكتسح الرجل ١٧ مرشحا جمهوريا في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، وبعدها فاز على المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون ابنة المؤسسة الأمريكية الوفية، وزوجة الرئيس السابق. كان في الأمر مفاجأة، ولكن ذلك لم يكن أول المفاجآت ولا آخرها، فلم يمض يوم إلا وكان في جعبة الرجل مفاجأة من نوع أو آخر. لم يكن مهما أن تكون المفاجأة له أو عليه، المهم أن تكون هناك مفاجأة وكفي؛ ولا كان مهما أن تكون داخلية أو خارجية، فالمهم أن يمتلك الرجل الإعلام على مدي أربع وعشرين ساعة. لم يعد الرجل مرشحا سياسيا، وإنما أصبح قائدا لحركة سياسية وقيل ثورة كبري لليمين ليس فقط في أمريكا وإنما في العالم كله. ورغم القفزة الاقتصادية الكبرى، ورغم مواجهة تحديات عظمي، فإن الرجل وصل إلى القمة في مطلع عام ٢٠٢٠، وبات فوزه بفترة رئاسية ثانية محض تفاصيل. ولكن الجائحة جاءت، ومعها ظهرت أعراض الحماقة التي قادت ترامب إلى إقامة الادعاء عليه في مجلس النواب، ولكنه نجا في مجلس الشيوخ، وكان الاستهتار بالكارثة، والكذب بما جاءت عليه، وإلقاء اللوم على الآخرين، انتهي وهو خاسر للانتخابات بعد أن حصل على ٧٥ مليون صوت كانت كافية لكي يبدأ من جديد موسم انتخابات جديدًا من الآن. ولكن الحمقى يموتون ساعة محاولتهم إيقاف مسيرة الزمن من خلال التحريض على مظاهرات تقتحم الكابيتول لمنع التصديق على انتخاب بايدن رئيسا، انتهي المشهد بكثير من الخسائر، أدان مجلس النواب ترامب للمرة الثانية خلال عام واحد، وبقيت المحاكمة في مجلس الشيوخ.

جو بايدن كانت قصته مختلفة، فهو ابن المؤسسة الأمريكية العريقة كنائب في الكونجرس منذ عام ١٩٧٣، وهو رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وهو نائب الرئيس أوباما لثماني سنوات. ولكنه أيضا الرجل غير المحظوظ مرتين للحصول على تمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات ٢٠٠٨ و٢٠١٦؛ ولكن الحظ ابتسم له كما لم يبتسم من قبل، وفاز بترشيح الحزب في انتخابات ٢٠٢٠، وساعدته الكورونا وحماقة ترامب في الفوز في الانتخابات العامة. وصل الرجل إلى القمة، ولم تفلح مناورات ترامب القضائية في التشكيك في نزاهة الانتخابات، هزم الرئيس في ٦٠ قضية أمام المحاكم، وفي ٨ ديسمبر أعطت الولايات شهادة التصديق على النتيجة، وفي ١٤ ديسمبر جري التصديق عليها مرة ثانية أمام المجمع الانتخابي، وفي ٦ يناير الحالي بات على الكونجرس بمجلسيه أن يصدق على النتيجة، وارتكب ترامب حماقته الكبرى بالتحريض على اقتحام الكابيتول، واجتمع الديمقراطيون والجمهوريون على التصديق على رئاسته. وصل بايدن إلى القمة، وأصبح الرجل الآن على شفا ساعات من دخول البيت الأبيض الذي سوف يوحد منه الأمريكيين، ويقضي منه على البلاء، ويعود بأمريكا إلى قيادة العالم كما نشر في دورية الشئون الخارجية منذ شهور.

لماذا إذا يهدر بايدن، أو في الحقيقة الديمقراطيون جميعا، الفرصة لكي يعيدوا توحيد أمريكا، وفي تجاوز انقسامها تكون المقاومة الذكية لتيار اليمين الذي أعطي ترامب صوته وهو يعلم أنه الرجل الذي لا يدفع الضرائب، ويجذب النساء، وتعامل بالحماقة مع الجائحة فأضاع ما جاء به من ثروة. وهل كان ضروريا أن يتم دفع الجمهوريين إلى الحائط بالحصول على إدانة ثانية في مجلس النواب، قد تفيد سياسيا ودعائيا، ولكنها لا تضمن إلا الاستحالة في الحصول على أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ؟ المؤكد أن بايدن دخل البيت الأبيض، ووصل إلى القمة، ولكنه في الوقت نفسه قد أعطي ترامب والمتطرفين الأمريكيين دفعة كبري لم يكن بها حلم ولا خيال، وهي أن الحماقة ليست فضيلة جوهرية ترامبية نقية، ولكنها موزعة بين الحزبين الرئيسيين اللذين باتا يتصرفان كما القبائل، حيث الثأر والانتقام التي لا يفلح معها وحدة ولا تضامن. والحقيقة أنني لا أذكر ما الذي جري للجماعة في رواية ماريو بوزو، ولكن المؤكد هو أن بطلها قد انتحر بعد أن أحرز نجاحا كبيرا!.


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: