رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

داود عبد السيد

من الأشياء العظيمة التى نعتز بها فى مصر أننا نجيد صناعة الأفلام، وأننا عندنا سينما، أو بمعنى أدق تاريخ مبهر من السينما، نحتفظ به فى وجداننا حتى لو تواطأ الآخرون واحتفظوا به فى خزائنهم، عشرات من صناع هذه الأفلام عزفوا على الشاشة طوال قرن من الزمان مصائر أهلهم فى لحظات الانتصار والهزيمة، فى لحظات الفرح والحزن، أسهموا بعذوبة فى تحديث المجتمع ومواساته وتبديد وحشته، وخلقوا لغة مشتركة وذكريات عريضة، والسينما المصرية تلقت ضربات موجعة فى فترات كثيرة من تاريخها مثلها مثل الغناء والمسرح والأدب وفن التلاوة، لسحب البساط من تحت أقدام المصريين، خصوم الخيال فى الخارج والداخل حاولوا ايقاف التصوير، أو تشغيل كاميراتهم بعيدا عن أشواق الناس، كتب الأورجوانى ادوارد وجاليانو: فى السينما وفى الأدب يبحر هذا المسخ المحتال الدموى فى بحار العالم بشدقين مفتوحين على الدوام وبفكين فيهما ألف خنجر يفكر فينا ويلحس شفتيه .. خارج السينما والأدب لا يبدى القرش أى اهتمام باللحم البشرى نادرا ما يهاجمنا اللهم إلا للدفاع عن النفس أو نتيجة خطأ ما .. وعندما يخطئ قرش ضعيف البصر ويظننا دلفينا أو ذئب بحر يقضم قضمة ثم يبصقها بقرف: إننا قليلو اللحم كثيرو العظم وللحمنا القليل طعم مريع .. الخطرون هم نحن وأسماك القرش تعرف ذلك جيدا ولكنها لا تصنع أفلاماً ولا تكتب روايات، توجد أجيال طالعة تحاول وتجاهد من أجل مواصلة المسيرة، تنجح بعض الأعمال فى إضافة لمسة تؤكد أننا نعيش معا، ويخفق آخرون لأسباب ليس لها علاقة بالفن، أسباب يعرفها الجميع، الصناع العتاة ــ مثل على بدرخان وخيرى بشارة وداود عبد السيد ــ موجودن أيضا، ولكنهم لا يصنعون أفلاما، لماذا؟، لأن الظروف غير مواتية، كيف؟ .. لا توجد إجابة، داود واحد من أهم المخرجين الذين يقدمون سينما مختلفة، تشير الى مصر الحقيقية وليست المجازية، يشير بصوته الخفيض الى ما يؤرق الشخصية المصرية التى تنشد البهجة والخير والسلام والعدل والحرية، تشعر وأنت تشاهد العرض بأن مخرجه يجلس الى جوارك يتأمل مصائر أبطاله مثلك تماما، النقاد اعتبروه من مخرجى الواقعية الجديدة مع عاطف الطيب.

ولكن الكاتب السورى عدى الزغبى شبهه بكافكا، لأنك اذا شاهدت أرض الخوف وقدرات غير عادية ومواطن ومخبر وحرامى والبحث عن سيد مرزوق، تشعر بأن ما يحدث طبيعي، طبيعى جدا، وأنك عشت هذا الواقع غير الواقعي، داود ينجح دائما فى كشف الرابط السرى الواضح بين الطبيعى وما وراء الطبيعي، هو يحدق طويلا فى هذا الرابط وفى الحيرة التى يتركها فى الروح، طبعا يمكن استبعاد فيلمى الصعاليك وسارق الفرح رغم الحيرة التى تتلبسك وأنت خارج من قاعة العرض، فى رائعته الكيت كات تتجلى الواقعية فى أزهى صورها، تتذكر الواقعية الإيطالية وسينما صلاح أبو سيف، وعالم أدب كتاب الستينيات فى مصر، لم يكن الإخراج ضمن أحلامه وهو صغير، كان يريد أن يصبح صحفيا، ولكن ابن خالته الذى يعشق الرسوم المتحركة أخذه الى استوديو جلال، وكان المخرج احمد ضياء الدين يصور فيلما، أحس أن هذ العالم يخصه، تخرج فى معهد السينما سنة 1967، وهو العام الذى انكسرت فيه الأحلام الكبيرة على البلاط، عمل مساعد مخرج مع يوسف شاهين فى فيلم الأرض، ومع كمال الشيخ فى الرجل الذى فقد ظله، ومع ممدوح شكرى فى أوهام الحب، ولكنه لم يحتمل العمل كمساعد، وحمل الكاميرا وراح يقطع القاهرة لعمل أفلام تسجيلية اجتماعية، أبرزها: وصية رجل حكيم فى شئون القرية والتعليم 1976، العمل فى الحقل 1979، عن الناس والأنبياء والفنانين 1980، أما فيلمه الروائى الأول الصعاليك فخرج الى النور سنة 1985، كتب داود السيناريو لكل أعماله باستثناء أرض الأحلام، لأنه صاحب رؤية سينمائية يريد أن يكتبها هو، ويرى أن مقولة أن الأدب يرفع مستوى السينما مقولة غير صحيحة، لأن ما يرفع مستوى السينما فعلا استعمالها لجميع المصادر المتاحة لها، من بينها الأدب، تصدى لعملين أدبيين فى أفلامه، رواية مالك الحزين لإبراهيم أصلان (الكيت كات)، وقصة خيرى شلبى سارق الفرح، هو استلهم الشخصيات وبنى عليها تصوراته كسينمائى يقدم البشر من خلال وسيط مختلف، عبدالسيد لا يحب الأفلام المباشرة المصنوعة بمواصفات مسبقة، ويكون فى أفضل احواله حين يقترب من المزاج الشعبي، فى كل أفلامه هو ليس ضد مستبد بعينه هو ضد الاستبداد، الذى يعصف بمصائر أبطاله.

ويرى أن الهوس الدينى له أسباب كثيرة، أهمها الهزيمة التى جعلت قطاعا كبيرا يرجع الى مصدر الأمان ممثلا فى الأمجاد التاريخية والدينية، وهى التى جعلت الثقة فى المستقبل مهزوزة، داود يصنع أفلامه بعقل مفكر وقلب طفل، يصغى الى الأحزان القديمة ويذيبها فى ألوانه السحرية لتشع بهجة، بهجة للمواساة ولتقضية الأوقات الصعبة، مثقف كبير لا يتكالب على شيء، يشع مودة وطيبة ورغبة دائمة لتقديم أعمال جديدة تؤكد فرادة مشروعه الكبيرفى السينما، ستيفن سبيلبرج المولود مثل مخرجنا الكبير سنة 1946 قال كأنه استعار صوت داود : بالرغم من أننى أتقدم فى السن، إلا أن ما أفعله لا يكبر أبدا، وهذا ما أعتقد أنه يبقينى جائعا .. نحن فى انتظار جديدك يا أبا يوسف.


لمزيد من مقالات إبراهيم داود

رابط دائم: