رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

منمنمات ثقافية
قصة عشق

وتظل كتب السيرة الذاتية من أكثر الأشكال الأدبية امتاعا لما تحمله فى ثناياها من التشويق ومتعة الدخول للعوالم المجهولة فى حياة المشاهير والاستفادة من الخبرات الحياتية. ويكتسب العمل قيمة أكبر إذا ما ارتبطت سيرة الكاتب بسيرة وحياة الاذاعة المصرية التى ارتبط بها الوجدان المصرى، منذ أعلن أحمد كمال سرور بدء إرسالها فى 31 مايو سنة 1934، وهو الأمر الذى يجسده دون مواربة العنوان الذى اختارته الإعلامية المتميزة «هدى العجيمى» لكتابها «الإذاعة المصرية قصة عشق».

والحقيقة أن الكتاب الذى تماست فيه سيرة كاتبة لها ذائقة خاصة وإعلامية لها بصمتها فى وقعنا الثقافى مع تاريخ الإذاعة المصرية، لا يكشف فقط كواليس الإذاعة المصرية وما كان يدور فى «استديوهاتها» ومكاتبها، سواء فى مبناها القديم فى شارع الشريفين أو بعد الانتقال لمبنى «ماسبيرو»، بل أيضا الدور الذى لعبه رواد الفن الإذاعى فى التدريب والتعليم المباشر وغير المباشر لإعداد أجيال من الإعلاميين، يدركون الوشائج القوية التى تربط بين الثقافة والإعلام، والتى دونها يتحول الأخير إلى مؤامرة لتزييف الوعي!

فمن خلال استعراضها ذكرياتها وتجربتها الإذاعية فى أقسام الاستماع السياسى والمرأة والمنوعات وبرنامج «مع الأدباء الشبان «الذى كان بمثابة ورشة تدريب وتذوق للأدب حتى بالنسبة للمستمع العادى، يتأكد الدورالذى لعبته إذاعة المحروسة فى إثراء وجدان المصريين وتأهيلهم للتفاعل مع قضايا الوطن سياسيا واجتماعيا وثقافيا والحفاظ على اللغة العربية ومد جسور التواصل مع الشعوب العربية عبر فن إذاعى راق.

المفارقة القاسية أن كل ما حفلت به صفحات الكتاب من ذكريات وتجارب ومواقف وحكايات عن جيل رواد العمل الإذاعى ، ومنهم محمد فتحى ومحمد محمود شعبان (بابا شارو) وعبد الحميد الحديدى وصفية المهندس وعواطف البدرى وثريا عبد المجيد وسامية صادق والمأمون أبو شوشة وعلى فايق زغلول وغيرهم، إضافة للإذاعيين من جيل الكاتبة، وتؤكده كل نتائج الأبحاث الإعلامية التى تناولت تأثير الإعلام المسموع والمرئى والدراما فى التعليم والتوعية ومحاربة رواسب مجتمعية وثقافية تعوق الانفتاح على رؤى وأفكار وتجارب إنسانية أرحب، تكاد تصبح أثرا بعد عين!، فالمؤسف أن الإذاعة المصرية التى كان أهم بنود برتوكول إنشائها الحفاظ على اللغة العربية والارتقاء بوعى المستمع وخدمة المجتمع ومحاربة الخرافة، انساقت فى تيار الإعلام الخاص لتصبح الأبراج وقراءة الطالع فقرة رئيسية على مدى اليوم الأخير للعام، إضافة لصخب وأحاديث أبعد ما تكون عن طبيعة أول إذاعة عربية تصل للمصريين والعرب أينما كانوا!، الأمر الذى لم يستفز فقط أساتذة الإعلام، بل ونعاه عدد لا بأس به من مستمعى الإذاعة وعكسته كلماتهم على صفحات التواصل الاجتماعى، ومن بينها صفحة «محبى إذاعة البرنامج العام» التى حفلت بانتقاد المسمعين للمضمون ومستوى الحوار ونوعية الأغانى المخُتارة ، واختفاء البرامج الهادفة مثل همسة عتاب(يمكن التأكد بالرجوع للصفحة بتاريخ 31 ديسمبر 2020!)

وما بين حكاية عشق العجيمى للإذاعة وإسهامها فى الحياة الثقافية بتقديم المبدعين الشبان من كل محافظات الجمهورية، وإطلالاتها الخاصة وذكرياتها مع رفاق درب حرصت أن تذكر قارئها بهم ، تكريسا لقيمة وأهمية الإذاعة المصرية كمشروع ثقافى مستمر لبناء الإنسان المصرى، وما بين بوادر للتخلى عن دور الإذاعة الذى كان وعرفه وأحبه المستمعون فى مصر والعالم العربى، عبر أحاديث الصباح الدينية والمسائية لكبار المفكرين، وبرامج «إلى ربات البيوت» و«المرأة العاملة» و«مع العلماء» والبرامج الدرامية والغنائية مثل «أحسن القصص» و«الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى» و«خوفو» و«عذراء الربيع» و«أرزاق» و«قطر الندى» وغيرها، التى حلقت بالمستمعين فى فضاء التاريخ والأسطورة والتراث الشعبى، ليس من الصعب أن ندرك سبب غضبة المستمعين ولا ما بين سطور «قصة عشق» خطتها إعلامية وكاتبة استوعبت الثقافة والإعلام بمفهومهما الحقيقى، فكان الكتاب وكان العشق للإذاعة المصرية.. مدرسة الشعب الأولى.


لمزيد من مقالات ســناء صليحــة

رابط دائم: