رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى وداع عام حزين

الأيام مثل البشر هناك إنسان أسعدك وهناك إنسان عذبك والفرق بين الاثنين هى الذكرى فلن تتساوى أيام السعادة وأيام الحزن.. إن ذكرى الأيام السعيدة تبقى فى خيالنا وتعيش معنا أما أيام الأحزان فهى ذكريات ثقيلة نهرب منها إلى شواطئ النسيان.. ونحن الآن نودع عاماً من الأعوام الثقيلة، إن العالم أطفأ أضواء السعادة فيه ولم تكن القضية بيتاً أو مدينة أو وطناً نحن أمام طوفان من الألم والأحزان اجتاح العالم كله، نحن أمام كارثة كونية لم تكن كورونا محنة أسرة أو مدينة إنها شبح هبط على البشر فى كل مكان..

< من كان يصدق أن فيروساً ضئيلاً يمكن أن يصيب أكثر من 80 مليون إنسان ويقتل أكثر من 2مليون خسرتهم البشرية فى أقل من عام إنه عام من الأحزان.. هناك أحباب رحلوا فى أيام قليلة بل فى ساعات.. وهناك بيوت أظلمت بعد أن رحل سكانها، وهناك شوارع ومدن خالية.. كانت أصعب تجربة مع الموت يشهدها العالم فى عصرنا الحديث، كان الشبح المخيف يتخفى ويغير مثل الثعبان جلده ويقتحم البيوت والأجسام والمشاعر..

< فى لحظة تكره البيوت سكانها ويهرب الناس من بعضهم يهرب الأبناء من آبائهم ويهرب الآباء من أبنائهم وتنظر الزوجة فى وجه زوجها من خلف الزجاج وتصافحه بنظرة وداع حزينة.. إن أشباح الموت التى تطارد الملايين من البشر فى كل بلاد الدنيا تشبه يوم القيامة حيث قوله تعالي« يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)».. هل كانت كورونا مقدمه ليوم القيامة..

< إن هروب الناس من بعضهم وحشود الموتى التى كانت تسقط كل يوم دون وداع، أصعب الأشياء أن ينتزع الموت منك حبيباً دون أن تودعه.. لم أكن أتصور أن يرفض إنسان تسلم جسد أمه خوفا من العدوى وترك المستشفى يدفنها.. سوف تروى حكايات وقصص كثيرة عن ضحايا كورونا وسوف تظهر كتابات وأفلام تحكى عن المآسى التى عاشتها الإنسانية فى هذه المحنة..

< إن أغرب ما فى كارثة كورونا أنها جاءت والعالم يعيش أزهى فترات التقدم فى العلم والحياة.. كان من الممكن أن تقتحم هذه الكارثة الدول الفقيرة حيث الفقر والأمراض والتخلف ولكن الغريب أن الضحايا فى الدول الغنية والمتقدمة كانوا أكثر..

< لم أجرب فى حياتى تجربة السجن وكان الأستاذ هيكل يقول لى احمد ربنا إنك لم تسجن حتى الآن.. وقد شاهدت كثيراً حالات عانت أصعب الظروف فى السجون ومنها من مات سجيناً ومنهم من خرج من بين القضبان ولم يعرف أبناءه ومنهم من نسى الكلام ومن فقد السمع والبصر.. كانت هناك حالات كثيرة من ضحايا السجون فى مراحل مختلفة من الحياة ..

< كانت المرة الأولى التى أعيش فيها تجربة السجن الاختيارى عشرة أشهر كاملة أدور بين الحجرات بين أوراقى وأدركت أن أفضل الأصدقاء كتاب، فما بالك إذا كنت أعيش وسط آلاف الكتب.. كانت تجربة غريبة وكان من الصعب أن أرفض أو أساوم الأطباء وهم يعرفون عن قلبى أكثر منى .. فى هذه الشهور العشرة التى عشتها وراء قضبان سجن اختيارى اختلطت أشياء كثيرة لم أعد جاداً مع الزمن وأنا الذى كتبت عشرات القصائد عن الزمن.. وكان من أكثر القضايا التى حركت خيالى وظلت تطاردنى حتى وجدت نفسى أدور فى صومعتى وراء قضبان البيت.. لا أدرى تغير إحساسى بالزمن ولم يعد كما كان..

< كنت أكره السجن رغم أننى لم أعرفه فى مشوار حياتى وإن كنت لم أعرفه واقعاً فقد مارسته قهراً فيما كتبت.. فى أحيان كثيرة لم أكن جربت أن يلتحم الليل عندى بالنهار.. أن أصحو طول الليل وأنام ساعات قليلة بالنهار، أن أفقد الرغبة فى التواصل مع الآخرين.. كنت أبعث للأهرام مقالتى رغم أننى لم أدخل مكتبى من بداية العام كان أخر عهدى بالظهور أمام الناس أمسية سنوية تقيمها دار الأوبرا فى عيد ميلادى ولقاء مع الإعلامية الصديقة منى الشاذلى فى معرض الكتاب بعد غياب أكثر من15عاماً ..

< وفى ليلة شتوية ثقيلة رجعت من «الفجيرة» فى دولة الإمارات العربية بعد أن شاركت فى مهرجان فنى عالمى بأمسية شعرية كان هذا أخر عهدى بالبشر.. فقد دخلت السجن الاختيارى أول شهر مارس ومازلت حتى كتابة هذه السطور قابعا فى صومعتي..

< مرات قليلة تلك التى يقبل الإنسان فيها تجربة السجن مختاراً، لا أحد يحب السجون حتى لو كانت قصوراً من ذهب.. من أشهر السجون فى تاريخ الشعراء تجربة أبى فراس الحمدانى فى الأسر وكتب فيها شعراً جميلاً خاصة أشعاره لأمه.. وللشعراء تاريخ طويل فى السجون وقد هرب المتنبى من كافور الإخشيدى بسبب ما كتبه فيه..

< لا أعتقد أن تجربة السجن الاختيارى قد أفادتنى فى شيء لقد أرهقتنى نفسيا وفى بدايتها كتبت بعض القصائد وتوقفت كنت أريد هواءً نقياً وفى السجن زارتنى أشباح كثيرة.. وأنا أحيانا أخاف من المجهول والمجهول عندى زائر يدق بابى ويقتحم صمتى ولا أراه، لم أكن أتصور يوما أن أجلس خلف قضبانى 300 ليلة فى هذا العمر، لأن للسجن مواسم وهى أحيانا تأتى فى الزمن الخطأ.. إن وحشة السجن أسوأ ما فيه ووحشة العزلة أشباح تسكننا وأسوأ أنواع الخوف هذا الشرطى الذى يحاصرنا ولا نراه..

< إذا كان لكل شيء فائدة فأنا لم أشعر بأى فائدة مع تجربتى مع السجن الاختيارى غير أننى ازددت خوفا ولا يوجد إنسان يحب خوفه.. كانت بينى وبين الزمن علاقة خاصة وأعترف أننى لم أعد حريصا عليه وكانت تجربة الموت من أكثر التجارب التى كتب فيها الشعراء وأنا واحد منهم.. ولكن حين هبطت كورونا واقتحمت العالم كله لم يعد الموت كما كان فقد حرمت البشر من نظرة وداع قبل الرحيل..

< فى أحيان كثيرة نشعر بمتعة الكلام ونرغى ونرغى ولكن فى السجن الاختيارى تشعر بمتعة الصمت، لأنك لا تجد لديك رغبة فى الكلام وقد لا تجد من يسمعك.. كان الشيء الوحيد الذى زاد به إيمانى فى شهور السجن هو حريتى، إنها أخر ما يبقى لنا قبل أن نموت.. إن الموت الحقيقى ألا تشعر بحريتك إن سجن الكلمات هو أقسى أنواع السجون سواء كان اختياريا أو إجباريا..

< لا أدرى ماذا أقول الآن لعام رحل ما الذى بقى منه .. كل الأعوام تترك خلفها شيئا يذكرنا بها وللإنصاف لم أجد عندى شيئا أذكر به هذا العام .. أعرف أصدقاء ودعوا أحباباً دون أن يصافحهم أحد أعرف ناسا بسطاء ماتوا فى ليالى شتوية موحشة وهناك أطلال لم تجد الوقت لتبكى أهلها.. فى مدن أوروبية متقدمة كانوا يحملون الموتى فى اللوريات وعربات النقل ويدفنونهم فى مقابر جماعية.. لا أحد يعرف جسد أمه أو أبيه.. بماذا نودع عاما رحل غير أن نسميه عام الأحزان..

< أصعب الأشياء فى السجن الاختيارى أن نعتاد على الصمت وأن نحب العزلة وأن تسكننا الليالى الموحشة.. لقد حاولت أن أقاوم هذه الأشياء وأدركت أن الكتابة هى طريقى للخلاص من كل أشباح الوحدة.. لا أعتقد أن لدى رغبة فى أن أستجدى العام المقبل فقد فقدت ثقتى فى الزمن ولا أريد أن أراهن عليه عشرة شهور خارج الزمن تكفى لكى لا نصدقه مرة أخري..

< لم أجد شيئا أكتبه ونحن نودع هذا العام الحزين غير هذه الخواطر قد تكون حزينة ولكنها حملت بعض شجونى فى لحظة من العمر لا أتمنى أن نعيشها مرة أخري.. كنا نتحدث عن قسوة الأيام واكتشفنا أن قسوة الزمن هى الأعنف حين يزورنا المجهول الغامض المخيف ونحن لا نتوقعه.. فى السجون نتعلم الخوف ونمارس العزلة وندمن الصمت ونتصالح مع الموت ولا نثق فى الأشياء والبشر .. لأول مرة فى التاريخ يصدر فرمان إلهى بأن ترتاح الملايين فى بيوتها.. الشيء الوحيد الذى بقى لى من ليالى العزلة أننى مازلت أكتب..

< رغم أن الكتابة تحتاج أفقاً واسعاً وهواءً نقياً ورغبة فى الحوار مع الأشياء والبشر وفى سجن كورونا لم أجد شيئا من ذلك كله ولكننى قاومت ضعفى وكتبت هذه السطور..

 

 

  • ويبقى الشعر

 

وجْهٌ جَمِيلٌ ..

طافَ فى عَيْنى قليلا ً.. واسْتـَدارْ

فأراهُ كالعُشْبِ المسَافِر ..

فى جَبين ِ الأرْض يَزْهُو فى اخْضِرَارْ

وتـَمرُّ أقـْدَامُ السنِين عَليهِ .. يَخـْبُو ..

ثـُمَّ يسْقـُط فِى اصْفرَارْ

كمْ عِشْتُ أجْرى خـَلـْفـَهُ

رَغمَ العَواصِف..والشَّواطِىء..والقِفـَارْ

هَلْ آنَ للحُلـْم المسَافِر أنْ يَكـُفَّ عَن ِالدَّوَارْ؟

يَا سِنـْدباد العَصْر.. إرجعْ

لمْ يَعُدْ فِى الحُبِّ شَىْءٌ غَيْرُ هَذا الانـْتـحَارْ

ارْجعَ .. فـَإنَّ الأرْض شَاخَتْ

والسّنونَ الخُضْرَ يَأكـُلـُهـا البَوَارْ

ارْجعْ .. فإنَّ شَوَاطىءَ الأحْلام ِ

أضْنـَاهَا صُرَاخُ المَوْج مِنْ عَفـَن ِ البـِحَارْ

هَلْ آنَ للقـَلـْبِ الذى عَشقَ الرَّحِيلَ

بأنْ يَنـَامَ دَقيقة ً.. مِثـْلَ الصِغـَارْ ؟

هلْ آنَ للوجْهِ الـَّذِى صَلـَبُوه فوقَ قِناعِهِ عُمْرًا

بأنْ يُلـْقِى الِقنـَاعَ الـُمسْتـَعَارْ؟

وَجْهُ جَمِيلٌ

طافَ فِى عَيْنى قليلا ً.. واسْتـَدَارْ

كانَ الوداعُ يُطلُّ مِنْ رَأسِى

وفِى العَيْنَين ِ سَاعَاتٌ تدُقُّ ..

وألفُ صَوْتٍ للقِطـَارْ

وَيْلى مِنَ الوجْه البَرىء ..

يغـُوصُ فى قلـْبى فيُؤلمُنى القرارْ

لمَ لا أسَافرُ

بَعْدَ أنْ ضاقتْ بى الشُّطآنُ.. وابْتعَدَ المزارْ ؟!

يا أيُّها الوجه الذى أدْمَى فؤَادى

أىُّ شَىْءٍ فيكَ يُغْرينى بهَذا الانتظارْ ؟

مَا زالَ يُسْكرُنى شُعَاعُكَ ..

رَغـْمَ أنَّ الضَّوْءَ فى عَينىَّ نارْ

أجْرى فألمَحُ ألـْفَ ظلٍّ فِى خُطاىَ

فكيْفَ أنجُو الآنَ مِنْ هَذا الحِصَارْ ؟

لِمَ لا أسَافِرُ ؟

ألفُ أرْض ٍتحْتـَوينِى.. ألـْفُ مُتـَّكإٍ.. ودَارْ

أنا لا أرَىَ شَيْئـًأ أمَامِى

غَيْرَ أشْلاءٍ تـُطاردُهَا العَواصِفُ.. والغـُبَارْ

كمْ ظلَّ يَخْدَعُنِى بَريقُ الصُّبح فِى عَيْنـَيْكِ ..

كـُنـْتُ أبيعُ أيَّامِى ويَحمِلـُنى الدَّمَارُ .. إلى الدَّمَارْ

قـْلبى الذَّى عـَلـَّمتـُهُ يَومًا جُنونَ العِشْق ِ

عَلــَّمَنِى هُمُومَ الانـْكسَارْ

كانتْ هَزَائِمُهُ عَلى الأطـْلال ِ..

تـَحْكِى قِصَّة القـَلـْبِ الـَّذِى

عَشقَ الرَّحيلَ مَعَ النـَّهَارْ

ورَأيْتـُهُ نـَجْمًا طريدًا

فِى سَمَاءِ الكـَوْن ِ يَبْحَثُ عَنْ مَدارْ

يَا سِنـْدبَادَ العَصْر

عهْدُ الحُبِّ ولــّى ..

لنْ تـَرَى فِى القـَفـْر لؤلـُؤة ً..

ولنْ تـَجـِدَ المحَارْ

وَجْهٌ جَمِيلٌ ..

طافَ فِى عَيْنِى قليلا ً.. واسْتـَدَارْ

وَمَضَيْتُ أجْرى خـَلـْفـُه..

فوجَدْتُ وَجْهـِى .. فِى الجـِدَارْ


لمزيد من مقالات يكتبها فاروق جويدة

رابط دائم: