رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أمريكا.. ماذا جرى لأرض الأحلام؟

كانت أمريكا في يوم من الأيام تمثل نموذجا فريدا أمام شباب العالم حتي أطلقوا عليها أرض الأحلام، وكانت يومها بالفعل تقدم تجربة جديدة في كل شيء.. كانت أوروبا مجموعة دول شاخت وترهلت وعاشت تجارب حروب دامية خرجت منها منكسرة ومفلسة .. وكان الدعم الأمريكي هو الذي أنقذ أوروبا اقتصاديا من خلال مشروع مارشال .. وكان السلاح النووي هو هدية أمريكا التي دمرت اليابان وحسمت أمريكا نتائج الحرب العالمية الثانية وأصبحت القوة العظمي .. وانتهت الإمبراطوريات الغاربة انجلترا وفرنسا وألمانيا واليابان، وخرج المارد الأمريكي الجديد لكي يتولي قيادة العالم في كل المجالات..

< كانت أمريكا شيئا مختلفا عن كل القوي التقليدية في العالم وجميعها كانت نظما مستبدة دمرت شعوبها ،وأهدرت إمكاناتها ومواردها.. جاءت أمريكا القارة الواسعة وفتحت أبوابها للهاربين من القمع والاستبداد والموت في بلادهم وأطلقت أمريكا شعارات الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية، وإن شاب التجربة تصفيات عرقية وحروب أهلية تخلص فيها القادمون عبر البحار من أصحاب الأرض والوطن..

< رغم أن الأفكار العظمي حول الحريات وحقوق الإنسان كانت في الأصل نتاج ثورات أوروبا فإن أمريكا الوطن الجديد أخذت أجمل ما حملت هذه الثورات .. وبدأ تشكيل صورة مجتمع جديد منح القادمين فرصا لحياة أكثر رفاهية واستقراراً و حرية .. أمام المساحات الشاسعة من القارة الأمريكية وجد القادمون الجدد فرصا للعمل والإنتاج والثراء .. وتحت شعار أمريكا للجميع تدفق ملايين البشر إلي أرض الأحلام ليبدأ عصر الإمبراطورية الأمريكية في صورة جديدة صنعت زمانا وحضارة جذبت إليها العالم كله..

< قامت التجربة الأمريكية علي محاور، أهمها حرية الإنسان في الفكر والعمل والنجاح، وكان هذا مصدر إبهار لشباب العالم بعيدا عن اللون والجنس والثقافة .. ومن هنا استطاعت التجربة الأمريكية أن تقدم نموذجا جديدا في كل شيء للعام كله .. كان هذا حال أرض الأحلام وانقسم شباب العالم، وإن بقي النموذج الأمريكي هو الأكثر بريقا وإبهارا..

< في شبابنا انقسمت الأجيال في مصر الستينيات مابين تيارات اختلفت بل تصارعت ،حيث كان الفصيل الذي بهرته التجربة الأمريكية ،وكانت قوي اليسار الاشتراكي والماركسي وكان التيار الإسلامي.. كانت الدولة أكثر ميلا لليسار أمام حلم الاشتراكية وكانت هناك تحفظات كثيرة علي الرأسمالية الأمريكية، وإن بقي الإسلاميون في صراع مع الجميع .. كانت أرض الأحلام تداعب شبابنا بما نسمع أو نقرأ أو نشاهد عن أمريكا الحريات وحقوق الإنسان والفرص المتكافئة والانتخابات وتداول السلطة وحرية الصحافة كانت كل هذه الإنجازات تبهر شباب العالم وتفتح آفاقا للطموح والأحلام..

< علي مستوي آخر كان تداول السلطة والانتخابات والديمقراطية تحرك خيال الشباب أمام نماذج مبهرة من الرؤساء مثل جون كيندي وكارتر وكلينتون .. ورغم أن النموذج كان مبهرا وفريدا فإن العالم لم ينس هيروشيما وناجازاكي والسلاح النووي وآلاف الضحايا في الحرب العالمية الثانية وما تلاها من خراب .. بقي النموذج الأمريكي رغم خطاياه الكثيرة ارض الأحلام ومصدر الخيال..

< في منتصف الثمانييات في عام 1983 ذهبت في زيارة لأمريكا بدعوة رسمية وقضيت شهرا كاملا في زيارة لعدد من الجامعات ومراكز الأبحاث.. كان من بين الجامعات جورج تاون وكولومبيا وبتسبرج وايوا مع المدن الكبري نيويورك وواشنطن وكاليفورنيا وشيكاغو وفلوريدا، وكانت من الرحلات المهمة في مشواري الصحفي .. وقد رافقني في أيام الزيارة مستر مورفي وهو سفير سابق في الخارجية الأمريكية .. كنت قد قرأت الكثير عن أمريكا الوطن والبشر والإنجاز، وقبل هذا كله الإنسان .. يومها زرت أماكن كثيرة ابتداء بأول سفينة للفضاء وأجمل المتاحف ومع هذا مكتبة الكونجرس، وهي من كبري مكتبات العالم كنت حتي هذه الزيارة مازلت منبهراً بالتجربة الأمريكية، خاصة ما يتعلق بالحريات..

< يومها كتبت سلسلة من المقالات في الأهرام لم تلق الترحيب الكافي في أمريكا .. قلت أنا لم أنبهر بالتكنولوجيا الأمريكية، وأن عمر الثقافة الأمريكية لا يتجاوز مائتي عام .. وإنني لم أجد ثقافة باريس وأصالة انجلترا وروعة روما ، ولم أجد شكسبير ودانتي وفيكتور هوجو وبيتهوفن وموزار، وأن أمريكا ينقصها عشرات السنين لكي تصنع حضارة أكثر إنسانية .. وإذا كانت قد نجحت في فن جميل مثل السينما فقد شوهت كل شيء بالعنف والقتل والدمار ..وأن حضارة التكنولوجيا لن تكون رافدا من روافد الفنون والإبداع والتفوق .. إنها باختصار حضارة بلا قلب .. كانت هذه زيارتي الأولي والأخيرة. ويومها قلت إن النموذج الأمريكي لم يبهرني ،لأنه اصطدم مع قناعات كثيرة عندي كانت لدي أسباب كثيرة لأن تتراجع قناعاتي بالنموذج الأمريكي رغم جوانب الإبهار فيه..

< إنني مازلت أرفض موقف أمريكا في دعم إسرائيل وإهدار كل حقوق الشعب الفلسطيني .. ومازلت أرفض حماية أمريكا بلد الحريات لنظم قمعية مستبدة ،وما زلت أعتقد أن أمريكا بلد الأحلام قد توحشت ولم تعد حارسا من حراس العدالة في هذا العالم..

< إن هناك حقائق تاريخية أدانت كثيرا أمريكا في تجاوزات ضد الإنسانية في الحروب والسلاح والأدوية والاتجار في البشر والاعتداء علي ثروات الشعوب ومواردها ابتداء بالسلاح النووي في اليابان وانتهاء بحرب فيتنام وكل هذه الظواهر أساءت كثيرا لصورة أمريكا بلد الأحلام ووطن الحريات وحقوق الإنسان.. إن أمريكا تخلت عن كل المبادئ والأخلاقيات التي قدمتها للعالم يوما..

< أعود إلي صلب القضية وهو ما يحدث من صراعات ومعارك وتظاهرات في الانتخابات الرئاسية بين ترامب وأنصاره من الحزب الجمهوري، وبايدن وأنصاره من الحزب الديمقراطي .. ليست هذه أمريكا الحريات وتداول السلطة والأحزاب التاريخية .. نحن أمام دولة من دول العالم السابع ومقاطعات الموز نحن أمام رئيس امسك بالسلطة ويرفض أن يتركها، ثم يجمع حوله عصابات تطوف الشوارع وتضع أمة بالكامل أمام حرب أهلية.. إن سقوط أمريكا في مستنقع الاستبداد والحروب الأهلية أسوأ عجائب هذا الزمان، وهو إهدار لكل القيم الإنسانية التي قام عليها هذا الكيان الحضاري الكبير..

< إن الرئيس ترامب من البداية لم يكن الشخص المناسب لكي يقود اكبر دولة في العالم .. فهو لم يمارس العمل السياسي في حياته، وكل مجالات عمله كانت في المقاولات واحد المقربين منه قال انه لم يقرأ كتابا في حياته .. وكانت له أنشطة مريبة في الملاهي الليلية وبيوت السوء، وكان من السهل عليه أن يفسد علي الشعب الأمريكي فرحته بانتخابات كان العالم يتابعها بكل الإعجاب..

< إن هذا يؤكد أن أمريكا كان يليق بها رئيس علي درجة من العقل والحكمة وتقدير المسئولية .. لقد أساء ترامب وشوه صورة أمريكا أمام العالم .. وبعد أن كانت أمريكا بلد الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية تحولت علي يد رئيس مغامر إلي بلد من دول العالم السابع وليس الثالث .. سوف يحتاج الشعب الأمريكي وقتا طويلا حتي يؤكد للعالم أنه ما زال بلد الحريات وحقوق الإنسان..

< إن السنوات الأربع التي قضاها ترامب في البيت الأبيض قد كلفت أمريكا الكثير ما بين خسائر البشر في محنة كورونا والتخبط في السياسة الخارجية بين إيران والصين وإسرائيل .. وهو الآن يخرج من البيت الأبيض في مسرحية هزلية ساخرة أضحكت العالم عليه .. والسؤال الآن هل يعيد بايدن هيبة الدولة الأمريكية وطن الحريات وأرض الأحلام كما كانت يوما..

< هناك من دافع عن ترامب وهناك من تعصب لبايدن .. والقضية ليست من يحكم ولكن القضية من يحفظ لأمريكا ثوابتها في الديمقراطية وتداول السلطة ونزاهة الانتخابات .. والرئيس ترامب استباح كل هذه الثوابت وخرج يتظاهر مثل عصابات شيكاغو ويفسد علي الشعب فرحته .. إن ما فعله ترامب لم يحدث في تاريخ أمريكا وهو درس للشعوب لكي تختار حكاما علي درجة من العقل والوعي والحكمة..

< لقد وضع الرئيس ترامب أمريكا في مأزق تاريخي بين رئيس فائز ورئيس خسران يرفض أن يترك منصبه .. وقد يكون الحل الوحيد أن يخرج علي يد الشرطة مقبوضا عليه متهما بسرقة أكبر منصب في العالم وهو رئاسة أمريكا.. شيء مؤسف..

 

ويبقى الشعر

نسيتُ ملامحَ وجهى القديمْ..

ومازلتُ أسألُ : هل من دليلْ ؟!!

أحاولُ أن أستعيدَ الزمانَ

وأذكر وجهى...

وسُمرة َجلدى...

شُحوبى القليل...

ظلالُ الدوائرِ ِفوق العيونْ

وفى الرأسٍ يعبثُ بعضُ الجنونْ

نسيتُ تقاطيعَ هذا الزمانْ

نسيتُ ملامحَ وجهى القديمْ..

عيونى تجمَّدَ فيها البريقْ..

دَمى كان بحرا..

تعثر كالحلمِ بين العروقْ..

فأصبح بئرا..

دمى صار بئرا

وأيامُ عمرى حطامٌ غريقْ..

فمى صار صمتًا.. كلامى مُعادْ

وأصبح صوتى بقايا رمادْ

فما عدتُ انطقُ شيئا جديدا

كتذكار صوت أتى من بعيدْ

وليس به أىُّ معنى جديدْ

فما عدتُ أسمع غيرَ الحكايا

وأشباحُ خوف برأسى تدورْ

وتصرخُ فى الناسِ

هل من دليلْ ؟؟

نسيتُ ملامح وجهى القديم

لأنَّ الزمانَ طيورٌ جوارحْ

تموتُ العصافيرُ بين الجوانحْ

زمانٌ يعيش بزيف ِالكلامِ

وزيف ِالنقاءِ ... وزيف المدائحْ

حطام ُالوجوه على كل شىئ

وبين القلوب تدورُ المذابحْ

تعلمتُ فى الزيف ألا أبالى

تعلمتُ فى الخوفِ ألا أسامحْ

ومأساةُ عمرى.. وجه قديمْ

نسيتُ ملامحَه من سنينْ

أطوفُ مع الليلِ وسط الشوارعْ

وأحملُ وحدي همومَ الحياهْ

أخاف فأجرى.. وأجرى أخافُ

وألمحُ وجهى.. كأنى أراهْ

وأصرخ ُفى الناسِ هل من دليلْ؟!!

نسيتُ ملامحَ وجهى القديمْ

وقالوا..

وقالوا رأيناكَ يوما هنا

قصيدةَ عشقٍ ٍهوتْ.. لم تَتمْ

رأيناكَ حلما بكهفٍ صغير

وحولكَ تجرى .. بحارُ الألمْ

وقالوا رأيناكَ خلف َالزمانِ

دموعَ اغترابٍ .. وذكرى ندمْ

وقالوا رأيناكَ بين الضحايا

رُفاتَ نبىًّ مضى .. وابتسمْ

وقالوا سمعناكَ بعد الحياةِ

تُبشَّر فى الناسِ رغم العدَمْ

وقالوا..وقالوا .. سمعتُ الكثيرْ

فأين الحقيقةُ فيما يقالْ ؟

ويبقى السؤالْ..

نسيتُ ملامح وجهى القديمْ

ومازلتُ أسألُ.. هل من دليلْ ؟!!

مضيتُ أُسائل نفسى كثيرا

تُرى أين وجهى .. ؟!!

وأحضرتُ لوناً وفرشاةً رسم ٍ..

ولحنـًـا قديمْ

وعدتُ أُدندنُ مثل الصغارْ

تذكرتُ خَطـًا

تذكرتُ عينـًا

تذكرتُ أنفـًا

تذكرتُ فيه البريقَ الحزينْ

وظلٌّ يدارى شحوبَ الجبينْ

تجاعيدَ تزحفُ خلفَ السنينْ

تذكرتُ وجهىَ

كلَّ الملامح.. كلًّ الخطوطْ

رسمتْ انحناءاتِ وجهى

شُعيرات ِرأسى على كل بابْ

رسمت الملامحَ فوق المآذِنِ..

فوق المفارقِ..بين الترابْ

ولاحت عيونىَ وسط السحابْ

وأصبح وجهى على كلَّ شىئ

رُسوماً..رُسومْ

ومازلتُ أرسمُ.. أرسمُ.. أرسمْ

ولكنَّ وجهى َما عاد وجهى..

وضاعت ملامحُ وجهى القديمْ.


لمزيد من مقالات يكتبها فاروق جويدة

رابط دائم: