رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تلك الأيام
لماذا رفض ابن عمر تزويج سلمان الفارسى؟

غريب أمر الإنسان العربي، وأغرب منه عاداته وتقاليده التى لايستطيع أن يحيد عنها أبدا مهما بلغ من رقى أو ترق فى العلم أو الدين.

ولعل أمور الزواج خير دليل على ذلك العربى الذى يتمسك بالعصبية رغم كل ما مر به من تغيرات حضارية ودينية وفكرية، فهو لايقبل أن يزوج ابنته أو أخته أو أيا من أفراد قبيلته من شخص مجهول الأصل والنسب مثلا. والتاريخ مليء بحكايات كثيرة فى هذا الشأن ، لعل أعجبها ما يروى عن أنه رغم الخلاف السياسى والصراع والقتل بين الأمويين والعلويين (أنصار على بن أبى طالب) فإن الأمويين كانوا يغضبون لبنات ونساء العلويين أشد الغضب إذا حدث ما يضايقهن. أو تقدم لخطبة إحداهن غير قرشى حتى لو كان واليا.

وقد عقد الحجاج بن يوسف الثقفى عندما كان واليا على الحجاز (مكة والمدينة) زواجه على أم كلثوم بنت عبدالله بن جعفر بن أبى طالب، ولكن عندما بلغ ذلك الخليفة عبدالملك بن مروان غضب غضبا شديدا وغاظه أن يتزوج الحجاج سيدة قرشية هاشمية!

رغم أن الحجاج كان أهم قادة عبدالملك بن مروان، وهو الذى وطد له أركان الحكم فى دولته، واستطاع أن يقتنص الخلافة من عبدالله بن الزبير بن العوام، الذى أعلن نفسه خليفة بعد وفاة يزيد بن معاوية، وأصبحت معظم الولايات الاسلامية خاضعة له عدا الشام معقل الأمويين كانت خاضعة لمروان بن الحكم، وكاد نجم الخلافة الأموية يأفل تماما، حتى جاء عبدالملك بن مروان وأرسل الحجاج بن يوسف الثقفى على رأس جيش لمحاربة بن الزبير فى الحجاز. وحاصر الحجاج الكعبة وبداخلها بن الزبير، ثم ضربها بالمنجنيق، واستمر ابن الزبير وأمه أسماء بنت أبى بكر تستثير حماسه وتحثه على الصبر، حتى قتل بعد أن ضرب مثلا فى البطولة. وعادت دولة الخلافة كاملة إلى الأمويين بفضل سيف الحجاج بن يوسف الثقفي، ورغم ذلك فإن عبدالملك بن مروان رأى فى إقدام قائده على الزواج من سيدة قرشية تجاوزا ومسا به هو كقرشي.

فكتب إلى الحجاج يغلظ له القول، ويذكره بتجاوز قدره ويقسم بالله لئن مسها ليقطعن أحب أعضائه إليه ويأمره برد المهر، وتعجيل فراقها. ونزل الحجاج على أمر الخليفة وطلق أم كلثوم ولم يمسسها كما يروى ابن عبدربه صاحب العقد الفريد، وفرح القرشيون بذلك حتى قال جعفر بن الزبير شعرا، ذاكرا فيه جعفر بن أبى طالب شقيق على بن أبى طالب «غسيل الملائكة».

أبنت المصطفى ذى الجناحين تبتغي

لقد رمت خطبا قدره ليس يوصف.

ومثل ذلك حدث مع عبدالرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، عندما كان واليا على المدينة فى عهد الخليفة يزيد بن عبدالملك فقد خطب فاطمة بنت الحسين بن علي، فرفضت واعتذرت، وعندما بلغ ذلك الخليفة يزيد، فإنه عزل عبدالرحمن وسجنه!

وعلامة التعجب من عندنا طبعا فلم يكن الأمر يثير العجب عندهم، ولكنه كان يثير لدى القرشيين الفرح.

ولم يكن الأمويون فقط هم الذين يتمسكون بعصبية قريش، بل إن بعضا من كبار الصحابة كانوا يتمسكون بهذه العصبية أيضا. وخاصة فيما يتعلق بالزواج.

فالأشعث بن قيس وكان سيد قومه، جاء إلى على بن أبى طالب وهو خليفة، وطلب أن يزوجه ابنته زينب، فغضب على وقال له: أغرب عني، أغرك أن أبابكر زوجك أخته أم فروه؟

إنها لم تكن من الفواطم ولا العواتك. فقال له: لقد زوجتم من هو أقل منى نسبا، وأوضع حسبا، يقصد المقداد بن الأسود الذى زوجه رسول الله ابنة عمه ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب. فقال علي: ذلك رسول الله، وهو أعلم بما يفعل، ولئن عدت إلى مثلها لأسوأنك.

وحدث أن خطب سلمان الفارسى ابنة عمر بن الخطاب، ووعده عمر بها، لكن عبدالله بن عمر بن الخطاب غضب من هذا النسب، وشكا الأمر إلى الداهية عمرو بن العاص، فقال له عمرو: سأكفيكه. وبدهائه المعهود عندما التقى عمرو بن العاص بسلمان الفارسى بادره قائلا: هنيئا ياأبا عبدالله هذا أمير المؤمنين يتواضع لله عز وجل فى تزويجك ابنته، فغضب سلمان الفارسي، وقال: لا والله لاتزوجت إليه أبدا.

فسلمان الفارسى كان يرى نفسه ندا لعمر بن الخطاب فى الدين، وبالتالى لايكون هذا الزواج تواضعا من عمر.

بينما كان عبدالله بن عمر بن الخطاب يرى أنه لاينبغى أن تتزوج أخته المخزومية القرشية من مولى حتى لو كان سلمان الفارسي!.

مثل هذه الحكايات قد نقف أمامها فى دهشة لكن بعد قليل من التفكير سوف ندرك أننا جميعا هكذا تحكمنا عقلية القبيلة والعصبية والسلطة والمال، خاصة فى الزواج. وقد نتحدث جميعا عن المساواة بين البشر، وأنه لافرق بين عربى على أعجمى إلا بالتقوي، وهو كلام جميل بالطبع لكن بعيدا عن الزواج، ولذلك جعل البعض من الكفاءة الاجتماعية شرطا من شروط صحة الزواج، ولعل قصة الشيخ على يوسف صاحب جريدة المؤيد التى حكمت المحكمة بتطليق زوجته صفية السادات لعدم التكافيء خير دليل. كل ذلك يكشف أننا مجتمعات مظهرية لم تتخلص بعد من عقلية القبيلة رغم ماحدث من قفزات فكرية وحضارية ودينية. كانت تقتضى أن يكون للأخلاق والعلم العامل الحاسم فى ترجيح قيمة الإنسان بعيدا عن عائلته وأصله، لكن رغم العلم وعميق الإيمان والتدين الشديد، فإن كل ذلك من الأحلام فصاحب العلم والأخلاق منذ قديم الزمان قد لايستطيع أن يقيم حياة اجتماعية كريمة!


لمزيد من مقالات محسن عبدالعزيز

رابط دائم: