رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حديث الجمعة
أدب الحــوار

يقول الحق سبحانه: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ»، ويقول سبحانه: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ»، ويقول سبحانه : «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ».

وقد ضرب لنا القرآن الكريم أعظم المثل فى أدب الحوار، ومن ذلك الحوار الذى دار بين سيدنا إبراهيم (عليه السلام) وأبيه فى سورة مريم (عليها السلام) ، إذ يقول الحق سبحانه: «إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّى قَدْ جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّى أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِى يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيًّا قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا».

ومن يتأمل فى هذه الآيات الكريمات يجد أن استخدام سيدنا إبراهيم (عليه السلام) لفظ «يَا أَبَتِ» فى مخاطبة أبيه أربع مرات , ويقول : «إِنِّى قَدْ جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ» , ولم يقل أعلم ما لا تعلم , تأدبًا فى حواره مع والده.

ويُشعر سيدنا إبراهيم (عليه السلام) والده بالخوف عليه :«إِنِّى أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ», واستخدم اسم الله «الرحمن» تلطفا , ولم يقل «عذاب من الجبار أو المنتقم», وأجاب عن تهديد والده له «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيًّا» بمنتهى الأدب والرقى «سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا» , وظل (عليه السلام) على عهده إلى أن نُهى عن ذلك , إذ يقول الحق سبحانه : « وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» .

وبما أن الجزاء فى الدنيا والآخرة من جنس العمل , لقى سيدنا إبراهيم (عليه السلام) من أدب ولده إسماعيل (عليه السلام) ما فاق أدبه هو مع والده , على نحو ما صوره لنا القرآن الكريم فى سورة الصافات , إذ دعا سيدنا إبراهيم (عليه السلام) ربه أن يرزقه الولد الصالح فَمنَّ عليه الحق سبحانه وتعالى بسيدنا إسماعيل (عليه السلام), ثم بشره بسيدنا إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب (عليهما السلام), وفى شأن ولده إسماعيل (عليه السلام) يقول الحق سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم (عليه السلام) : «رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّى أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ».

ونلاحظ أن سيدنا إسماعيل (عليه السلام) قد خاطب والده بنفس اللفظ والأدب الذى خاطب به سيدنا إبراهيم (عليه السلام) والده «يَا أَبَتِ», فهم كما قال الحق سبحانه: «ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ», وفى الأثر: «افعل ما شِئتَ كما تَدينُ تُدانُ» .... وللحديث بقية.


لمزيد من مقالات د. محمد مختار جمعة

رابط دائم: