رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تلك الأيام
شاعر رأى الموت فراح يرثى نفسه

وكأنى بهذا الشاعر رأى الموت رأى العين فراح يرثى نفسه قبل أن يقبض روحه ويأخذ منه عمره وحياته بكل ما فيها.

إنه الشاعر مالك بن الريب الذى رثى نفسه فى لحظات موته بأبدع قصيدة رثاء فى الشعر العربي، وقف أمام لحظة الموت يسأل الأسئلة الوجودية الكبرى عن ذلك الإنسان الضعيف الذى أتعبه الفقر والتشرد، وعندما قرر أن يغترب بحثا عن حياة أفضل، وجد الموت ينتظره هناك بعيدا عن أهله وعشيرته. وقف الشاعر أمام عجائب القدر حائراً لا يملك إلا أن يرثى نفسه وحياته وأهله بعد أن أصبح بعيداً عنهم آلاف الأميال.

ومثل أى شخص يموت فإنه يرى الموت أو يحس به فى الطريق إليه فإن شاعرنا مالك بن الريب قال لصاحبيه اللذين كانا يرافقانه فى رحلته الغريبة تلك:

فيا صاحبى رحلي، دنا الموت،

فانزلا برابية إنى مقيم لياليا

كان مالك بن الريب تحول من حياة الصعلكة والحرية فى الصحراء اللا محدودة إلى حياة الالتزام والجدية، لكن هذه الحياة الجديدة، لم تتوائم مع شخصية الشاعر الصعلوك، أحس بالرتابة والملل فهذه حياة تشبه الموت أو هى نذير به.

فالشاعر اللص عاش حياته فى الصحارى سيد نفسه، سلطانه من سيفه وقوته، فلم تقبل نفسه هذه حياة الجندية فى أحد الجيوش إلى مدينة خراسان.

نشأ مالك بن الريب فى بادية بنى تميم بالبصرة مع بداية العهد الأموي، وكان صعلوكا فاتكا لا ينام إلا متوشحاً سيفه. شجاعاً مثل قطاع الطرق. وحدث التغير فى حياته كلها عندما كان سعيد بن عثمان بن عفان فى طريقه إلى خراسان واليا لمعاوية بن أبى سفيان، وقابل مالك بن الريب وأعجب بشجاعته وهيئته، فقد كان مالك حسن الوجه والثياب.

فقال له سعيد بن عثمان: ما يدعوك إلى ما بلغنى عنك من العبث والفساد وفيك هذه الصفات الجميلة كالشجاعة والنجدة؟!

فقال له مالك: يدعونى إلى ذلك العجز عن الوصول إلى المعالى ومساواة ذوى المروءات.

فقال له سعيد: إن أغنيتك واستصحبتك أتكف عما تفعل؟

قال: إى والله أيها الأمير أكف كفاً لم يكف أحد أحسن منه.

فاستصحبه وجعل له كل شهر خمسمائة درهم، وانطلق مالك مع سعيد بن عثمان إلى خراسان. وفى الطريق أصابه المرض وأشرف على الموت. وكان معه صديقاه فراح يبثهما حزنه وألمه بعد أن غادروا جميعا حياة الصعلكة والتشرد إلى حياة ليس فيها إلا الموت.

راح يخاطب صديقيه بهذه القصيدة أو البردية الحزينة التى يملؤها الشجن على أيامه وشجاعته وقوته، وهذا الموت الذى يدنو منه بعيداً عن أهله.

فيدعو صاحبيه أن يظلا معه حتى يتأكدا من موته ثم يجهزا له القبر والأكفان ويبكيا عليه.

أقيما على اليوم أو بعض ليلة

ولا تعجلانى قد تبين ما بيا

وقوما إذا ما استل روحى فهيئا

لى القبر والأكفان ثم ابكيا ليا

وخطا بأطراف الأسنة مضجعي

وردا على عينى فضل ردائيا

ولا تحسدانى بارك الله فيكما

من الأرض أن توسعا ليا

ثم يتذكر قوته وشجاعته وحاله التى أصبح عليها بعد الموت

خذانى فجرانى ببردى إليكما

فقد كنت قبل اليوم صعباً قياديا

وقد كنت عطافا إذا الخيل أقبلت

سريعاً لدى اليهجا إلى من دعانيا

ويتحدث حديثا شفيقا عن نبوءة ابنته بموته معلنا ندمه على تحوله إلى هذه الحياة الجديدة من أجل المال.

إن الله يرجعنى من الغزو لا أري

وإن قل مالى طالبا ما ورائيا

تقول ابنتى لما رأت طول رحلتي

سفارك هذا تاركى لا أبا ليا

ثم يؤكد لنفسه ولابنته أيضا، متمنيا أنه لن يكرر ذلك الخطأ إذا نجا مما هو فيه

فإن أنج من باب خراسان لا أعد

إليها، وإن منيتمونى الأمانيا

ويرى الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى أن مالك بن الريب أحس بغربته بعد أن ظل يضرب فى الشرق بعيداً إلى خراسان، وأصبحت تفصله آلاف الأميال عن موطن أهله وعشيرته. لقد صار كما يقول شاعرنا الكبير سجينا فى هذا العالم الجديد، بعد أن انتزعت منه حريته حتى أصابه المرض، وقال قصيدته تلك كأنها عقاب الله على خطيئته. فالفارس الشجاع باع حريته بالدراهم. وها هو يموت حتف أنفه بعيدا عن موطنه. بعد أن تعب وتمرغت شجاعته وبطولته فى الوحل.

ويصور مالك أحاسيس أصحابه وحزنه على موته وهم يقولون لا تتركنا.

يقولون لا تبعد! وهم يدفنوني

وأين مكان البعد إلا مكانيا

ويدعو أمه إلى زيارة قبره البعيد، فزيارتها مثل السحاب سوف يسقى ما بقى من جسمه الذى حملت الريح التراب فوقه.

فيا ليت شعري! هل بكت أم مالك

كما كنت لو جاءوا بنعيك باكيا

إذا مت فاعتادى القبور فسلمي

على الرمس، اسقيت السحاب الغواديا

ثم يقول لأحد أصحابه كيف يبلغ أهله بخبر وفاته، بأن يسحب ناقته دون أى زينة بينما كل النياق تكون مزينة، عندئذ سيعرف قومه وعشيرته «مزين» أن مالكاً قد مات، وسوف يثير ذلك الحزن وتنفلق الأكباد، وتبكى نساء القبيلة، وهن يشعلن نيران القرى لضيوف الليل التائهين.

فيا صاحبي، إما عرضت فبلغن

بنى مازن والريب ألا تلاقيا

وعطل قلوصى فى الركاب فإنها

ستفلق أكبادا وتبكى بواكيا

وأن الموت سوف يغيبه فى مكان قفر لا قرب فيه أبد الدهر، وأنه مهما قلب عينيه حوله فلن يجد شيئاً يؤنسه.

بعيد! غريب الدار! ثاو بقفرة

أبد الدهر معروفا بأن لا تدانيا

أقلب طرفى حول رحلى فلا أري

به من عيون المؤنسات مراعيا

ثم يختم بكائيته التى تربو على ستين بيتا بأن النسوة سوف يبكين عليه، ومنهن من تفتديه بنفسها لو جاء الطبيب بالعلاج له، من هؤلاء النسوة أمه وأختاه وخالته وسيدة أخرى يثير بكاؤها الأخريات، إنها زوجته.

وبالرمل منا نسوة لو شهدنني

بكين وفدين الطبيب المداويا

فمنهن أمى وابنتاها وخالتي

وباكية أخرى تهيج البواكيا

لمزيد من مقالات محسن عبد العزيز;

رابط دائم: