رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معادلة الاستقرار السياسى

فى ظل ما يشهده عالمنا من تحولات سريعة ومتصاعدة على مسارات الاقتصاد، والسياسة والأمن, بفعل الثورة التكنولوجية والاتصالية والمعلوماتية, صارت قضية الاستقرار هاجسا كبيرا يؤرق كل دول العالم.

وسادت لعقود طويلة وجهة نظر مؤداها أن العاملين الأمنى والاقتصادى هما ركيزة الاستقرار السياسي، وأن الدول التى تتمتع بمنظومة أمنية قوية، وبمداخيل اقتصادية مرتفعة تكون فى حالة استقرار بينما الدول الفقيرة تعانى حالة عدم الاستقرار السياسي.

والمتأمل للأوضاع السياسية الإقليمية والدولية منذ بدء الألفية الجديدة، يدرك أن العاملين الأمنى والاقتصادى مثلا ركيزتان مهمتان للاستقرار السياسى لكثير من الأنظمة السياسية، إلا أنهما لم يكونا الركيزة الأساسية والأهم, فكثير من الدول استطاعت تحقيق نوع من التطور الاقتصادى والاستقرار الأمنى لفترات طويلة، إلا أنها عجزت عن تحقق الاستقرار السياسي، خاصة تلك الدول التى حققت تنمية اقتصادية دون تنمية فى الجوانب الأخرى كالانفتاح السياسى والعدالة الاجتماعية. لذا لابد أن نشير إلى ان الاستقرار السياسى الحقيقى والدائم، يتحقق من خلال قدرة النظام السياسى على القيام بوظائفه، والاستجابة لمطالب الجماهير، والتكيف مع متغيرات البيئة الداخلية والخارجية المحيطة به، على نحو يكسبه الشرعية السياسية اللازمة لاستمراره، ويحول دون تعرضه لأى أعمال عنف أو صراعات يصعب السيطرة عليها بالطرق السلمية وفى إطار الالتزام بالقواعد الدستورية، كما يعنى قدرة النظام السياسى على استثمار الظروف وقدرة التعامل بنجاح مع الأزمات لاستيعاب الصراعات التى تدور داخل المجتمع سلميا.

وهنا يظهر عنصر العدالة الاجتماعية وعلاقته الوثيقة بمفهوم الاستقرار، حيث يرتبط الأخير بعامل الرضا الطوعى الذى يدعم شرعية النظام ومن ثم استقراره، فالشرعية يستمدها النظام من الإنجاز على الأرض، وتطبيق مفهوم العدالة بمفهومها الشامل، حيث ينتفى الظلم والاستغلال والقهر والحرمان من الثروة أو السلطة أو من كلتيهما، ويغيب الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعي، وتنعدم الفروق غير المقبولة اجتماعيا، ويتمتع الجميع بحقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية متساوية، ويعم الشعور بالإنصاف والتكافل والتضامن والمشاركة الاجتماعية، وتتاح لأفراد المجتمع فرص متكافئة لتنمية قدراتهم وملكاتهم، وتوظيفها بما يوفر لهؤلاء الأفراد فرص الحراك الاجتماعى الصاعد. كما يرتبط بثنائية الاستقرار السياسى والعدالة الاجتماعية عنصر حاكم، شديد الأهمية، به تكتمل منظومة الاستقرار السياسى الحقيقى طويل المدي، وهو عنصر التنمية المستدامة الرشيدة، التى ترتفع بنوعية الحياة من النواحى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والصحية، تلك التنمية التى تراعى الجوانب الاجتماعية والأخلاقية، وأهمها النظرة العامة للعمل والانضباط وقيمة الجودة وإحكام العمل, أى كل الجوانب السلوكية الأساسية التى دونها لا يمكن للاقتصاد أن ينمو، ولا للبلد أن يتطور ويتقدم. وفى هذا السياق، يجب أن تكون تنمية تقود إلى بناء اقتصاد قادر على الاعتماد على الذات، لتحقيق الاستقلال وتحطيم أواصر التبعية، وبما يمكن من إعادة ترتيب البيت من داخله، بإعادة توزيع السلطة السياسية فى المجتمع، وينقل سلطة اتخاذ القرارات إلى الطبقات والفئات صاحبة المصلحة فى هذا النوع من التنمية، وبما يقيم نظاما للحكم يسمح بالمساءلة والمحاسبة والمشاركة.

وليس معنى الاعتماد على الذات قطع العلاقات مع النظام الاقتصادى العالمي، وإنما تنمية الموارد الذاتية وحسن استخدامها، وترشيد عملية صنع القرار الاقتصادي، حتى لا يصبح الاقتراض من المؤسسات الدولية - مهما تكن أسبابه- عادة مستقرة. ومن هذا التحليل المختصر نخلص إلى المعادلة الآتية: الاستقرار السياسى يساوى تنمية اقتصادية زائد عدالة اجتماعية. وفى ظل تلك الثلاثية، تعد الدولة الوطنية آلية ضرورية، وحتى تنجز دورها، يتعين أن تكون هذه الآلية نفسها آمنة ومتطورة، ولكن ليس كغاية فى ذاتها، أى لا يعد تأمين النظام السياسى هو الهدف الرئيس والنهائي، ولكن يعد الاختبار الأول والنهائى للأمن، هو المجتمع الذى يتسم بالعدالة, حيث المواطن فيه هو اللاعب الرئيسي، والمرجع والوسيلة لتحقيق الأمن، وتبدو رشادة هذا الأمن فى تمكين الشعب من التنمية، وأن يكونوا مهندسى حياتهم، وأن يقرروا معا القيم التى تشكل هذه الحياة.


لمزيد من مقالات سامى شرف

رابط دائم: