رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مغالطات نيتانياهو والضمان الأكبر للردع

كنت أحسب أن ما كتبته فى الأسبوع الماضى عن ضرورة تكتيل الجهود من الآن للاحتفال بالعيد الخمسينى لانتصارات أكتوبر المجيدة الذى سيحل بعد ثلاث سنوات فقط من الآن يكفى كجرس تنبيه كى لا نفاجأ، كما هى العادة، بالمناسبة دون أن نتمكن من إعطائها حقها الواجب من العناية والاهتمام، لكننى وجدت أنه من الضرورة أن أعاود الكتابة حول ذات الموضوع ولكن من منظور الأسباب التى تبرر ضرورة إيلاء هذه المناسبة أولوية خاصة جداً لسببين؛ أولهما حوار قصير، لكنه مهم، دار بينى وبين سيادة الأمين العام لجامعة الدول العربية الأستاذ/ أحمد أبو الغيط وزير خارجية مصر الأسبق، عقب اتصال كريم من سيادته حول المضامين المهمة الواردة فى مقال الأسبوع الفائت (جريدة الأهرام 13/10/2020).

وثانيهما، التطاول الذى ورد على لسان بنيامين نيتانياهو واستهزاؤه باحتفالات المصريين بانتصارات أكتوبر، وزعمه أن المصريين لم ينتصروا وأن إسرائيل هى التى انتصرت!

كان أهم ما ركز عليه سيادة الوزير أحمد أبو الغيط فى ذلك الحوار القصير مسألة سرعة امتلاك المصريين إرادة القتال عقب نكسة يونيو 1967 «المريرة»، حيث كان الهدف الأهم للعدوان الإسرائيلى هو «كسر الإرادة المصرية»، وإجبار مصر نهائياً على الخروج من معادلة الصراع ضد كيان الاحتلال الإسرائيلى، والقبول بالسلام الذى تريده إسرائيل، لكن هذا لم يحدث لا على المستوى الشعبى ولا على المستوى الرسمى المصرى، وهذا ما فرض مفهوم «النكسة» لما حدث بديلاً لمفهوم «الهزيمة».

امتلك شعبنا العظيم إرادة القتال وهو ينزف الدماء، وحدد معالم الطريق وهو يتألم، ووصلت الرسالة سريعاً إلى القيادة التى قبلت التكليف وبدأت مباشرة فى اتخاذ الإجراءات وكان أولها اختيار القيادات التى ستعيد بناء الجيش (الفريق أول محمد فوزى) والتى ستخوض الحرب (الفريق عبد المنعم رياض). كم كان لافتا ورائعاً، بل وخالداً ذلك الحوار المنضبط الذى دار بين الفريق الشهيد عبد المنعم رياض والرئيس جمال عبد الناصر وهو يكلفه برئاسة أركان القوات المسلحة، عندما ألمح الفريق الشهيد إلى أن قبوله التكليف سيكون مشروطاً. كانت لحظة صعبة اهتزت فيها مشاعر الرئيس، لكن الفريق الشهيد عاجل الرئيس قائلاً «أرجوك يا سيادة الرئيس ألا تقبل عودة سيناء بلا قتال حتى لو عرضوا عليك الانسحاب الكامل منها بلا قيد أو شرط».

ويوضح الأستاذ/ محمد حسنين هيكل الذى نقل هذا الحوار المعنى الذى ورد على لسان الفريق الشهيد كما جاء على لسانه بأنه «لا مستقبل لشعب يتعرض لاحتلال أراضيه ثم لا ينهض لحمل السلاح مستعداً لدفع فواتير الدم».

هكذا كانت البداية، وجاء استشهاد الفريق عبد المنعم رياض فى موقع متقدم من جبهة القتال بالقرب من الإسماعيلية ليؤكد المعانى بالفعل بعد أن تأكدت بالقول وليدفع، قبل غيره، «فواتير الدم». وامتدت المسيرة من الصمود إلى إعادة بناء القوات المسلحة، ثم حرب الاستنزاف، وبناء قواعد الصواريخ حتى جاء العبور العظيم الذى تجلت فيه الانتصارات ليس فقط على المستوى العسكرى، بل وأيضاً على المستوى الشعبى، وكذلك على المستوى العربى.

هذه هى أهم المعانى التى يجب الوعى بها ونحن نخطط للاحتفال بالعيد الخمسينى لانتصارات أكتوبر. أن نستعيد شعبية النصر وأن نستعيد عروبة النصر، لأن السنوات التى مضت ركزت كثيراً على تجريد هذه الانتصارات من شعبيتها ومن عروبتها كإجراء لعين لتقليص النصر واحتوائه لمصلحة تكريس الهزيمة والانكسار كى لا يجدد الشعب المصرى صموده، وكى لا يحفظ وعيه الذى استهدف مباشرة بعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب وبدء محادثات فك الاشتباك الأول ثم الثانى مع العدو، وبعدها الانخراط فى مباحثات السلام. ويجىء استهزاء بنيامين نيتانياهو باحتفال المصريين بانتصاراتهم وتطاوله على هذه الانتصارات ليبرر ويؤكد كم هى أولوية ضرورية أن نستعيد ونسترجع المعانى والدروس الحقيقية التى تحققت بهذه الانتصارات. ففى إحدى تغريداته كتب نيتانياهو يقول «رغم الموقف الضعيف فى بداية الحرب إلا أننا قلبنا الموازين رأساً على عقب وحققنا النصر».

مغالطات وأكاذيب تحاول جاهدة سلب العرب وبالأخص المصريين والسوريين معانى الانتصار، رغم أن الإسرائيليين هم أول من يعرفون الحقائق، وأولى هذه الحقائق أنهم انهزموا ولم ينقذهم من كارثة محققة إلا الجسر الجوى العسكرى الأمريكى وتورط الأمريكيين فى القتال ضد الجيش المصرى. هم يعرفون أنهم موجودون عسكرياً بالدعم الأمريكى وموجودون سياسياً بالدعم الأمريكى وموجودون اقتصادياً بالدعم الأمريكى، وأنهم لا شىء بدون الضمانات الأمريكية وفى مقدمتها الضمان الأمريكى بالتفوق العسكرى النوعى المطلق للجيش الإسرائيلى على كل الجيوش العربية .

لم يكتف نيتانياهو بتزييف التاريخ الذى يجب أن نسترجع تصحيحه ونحن نحتفل بالعيد الخمسينى لانتصارات حرب أكتوبر، ولكنه، وفى ظروف ما يعتبرونه «انتصار السلام الإسرائيلى» كان حريصاً على أن يتحدث أمام الكنيست (البرلمان الإسرائيلى) مروجاً لمفهوم هذا السلام فى الجلسة التى خصصت للمصادقة على اتفاق تطبيع العلاقات مع الإمارات (14/10/2020). كان نيتانياهو واضحاً وصريحاً وهو يشرح المعنى الجديد (القديم) للسلام الإسرائيلى الذى يتعارض بالكامل مع المعانى التى أرستها انتصارات حرب أكتوبر.

قال نيتانياهو «فى منطقتنا الأقوياء أقدر على البقاء على قيد الحياة.. الأقوياء محترمون، والأقوياء يصنعون تحالفات، والضعفاء يسحقون». وزاد على ذلك بقوله إن «العديد من الدول العربية والإسلامية تطالب بالتقرب منا.. يرون قوتنا العسكرية، ويغيرون موقفهم تجاهنا».

تعمد نيتانياهو تجاهل أن هذه القوة العسكرية التى يتباهى بها كسرتها القوات المسلحة المصرية والسورية، وأنها لم تحقق انتصاراً له معنى منذ عدوان يونيو 1967، وأنها فى مضمونها ومحتواها «قوة أمريكية» وليست «قوة إسرائيلية».

احتفالات العيد الخمسينى بانتصارات أكتوبر يجب أن تعنى كل هذه المعانى، وبالأخص أن الصراع الدائر هو صراع إرادات، وأن غطرسة كيان الاحتلال الإسرائيلى ليست لها حدود، ولن يوقفها عند حدها إلا تحقيق التوازن العسكرى العربى واستعادة أمجاد «روح أكتوبر» فهى الكفيلة بردع هذا التطاول الإسرائيلى.


لمزيد من مقالات د. محمد السعيد إدريس

رابط دائم: