رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تكريم الدبلوماسية المصرية

حضرت يوم الإثنين 5أكتوبر في مقر السفارة الألمانية بالقاهرة بدعوة كريمة من السفير الألماني، والابن العزيز السفير الدكتور بدر عبد العاطي مساعد وزير الخارجية للشئون الأوروبية، الاحتفال بتقليده وسام صليب الاستحقاق الأكبر من طبقة أوسمة جمهورية ألمانيا الاتحادية الذي منحه له الرئيس الألماني تقديرا لإسهامه المتميز في تعزيز العلاقات الألمانية - المصرية إبان عمله سفيراً لمصر لأربع سنوات (2015-2019)، وكنت قد حضرت في مارس الماضي بدعوة كريمة من السفير الفرنسي، والابنة العزيزة السفيرة ندى دراز سفيرتنا الحالية في مالطة حفل تقليدها وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي بدرجة فارس تقديراً لدورها المهم في تعزيز العلاقات الفرنسية - المصرية كقنصل عام لمصر في فرنسا (2010-2014) ولإسهاماتها خلال توليها بعد ذلك منصب نائب مساعد الوزير لشئون الفرانكفونية والنجاح الذي حققته في هذا الملف. ربطت بين التكريمين وأدركت باعتزاز أنني إزاء جيل شاب من أجيال الدبلوماسية المصرية يواصل مسيرة الأجيال العظيمة التي سبقته منذ عقود حملت فيها أعباء المعارك من أجل استخلاص الاستقلال الوطني قبل ثورة يوليو1952، والدفاع عنه بعدما دخلت هذه الثورة في معارك ضارية لم تقتصر على ساحات القتال، وإنما امتدت إلى المحافل الدبلوماسية الدولية، وفي كل هذه المعارك أثبتت المدرسة الدبلوماسية المصرية وطنيتها وإيمانها بالقضايا العادلة لشعوب العالم المستضعفة وسعيها المخلص لتعزيز السلم والأمن الدوليين، وقدرتها على تحقيق المصالح الوطنية والدفاع عنها، وهاهي الأجيال الشابة تثبت أنها الامتداد الطبيعي لهذه المدرسة العظيمة.

يجمع السفيرة ندى دراز والسفير بدر عبد العاطي أنهما من خريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي أشرف بالانتماء إليها، وليس معنى هذا أن التميز في الدبلوماسية المصرية يقتصر على خريجي هذه الكلية، ذلك أن هذه المدرسة تنتقي زهورها من باقة من التخصصات تنصهر جميعها في بوتقة الوطنية الصادقة والمهنية المتجذرة التي أُسست عليها، ولكني قصدت بالإشارة السابقة أن تكون مدخلا للتذكير بالدور المهم الذي تلعبه تلك الكلية في تكوين أجيال من الدبلوماسيين الأكفاء، وكذلك للحديث عن العلاقة الشخصية التي ربطتني بندى وبدر باعتبار أنني شرفت بالتدريس لهما، بالإضافة إلى إشرافي على رسالة الماجستير التي أعدها السفير بدر عبد العاطي عن المفاوضات المصرية-الإسرائيلية بشأن الحكم الذاتي للفلسطينيين بموجب اتفاقية كامب ديڤيد الثانية، وأشهد أنها كانت رسالة بالغة التميز والدلالة على السلوك التفاوضي الإسرائيلي من ناحية، وتمسك المفاوض المصري بالثوابت العربية من ناحية أخرى، ولا يفوتني في هذا السياق الإشارة إلى أن مواصلة الدراسات العليا قد جمعت أيضاً بين ندى وبدر، فقد حصلت الأولى على درجة الماجستير من جامعة لندن عام 1991 في دراسات الشرق الأدنى والأوسط، فضلاً عن عديد من الدبلومات في مجالات متنوعة تتصل باهتماماتها كحقوق الإنسان والمرأة والمفاوضات الدولية، أما الثاني فقد استكمل دراساته العليا بحصوله على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من كليته عام 2003 عن موضوع اليابان والشرق الأوسط. لكن الاثنين يختلفان في أصولهما الاجتماعية بالتأكيد، وهذه هي عبقرية المؤسسات الوطنية المصرية التي تضم إليها الأكفاء بغض النظر عن أصولهم الاجتماعية، ورغم أني لا أعرف الكثير عن عائلتيهما إلا أنه تكفي الإشارة إلى أن جد السفيرة ندى دراز هو الشيخ محمد عبد الله دراز أحد أئمة الأزهر الأجلاء الذي درس في السوربون، وله عديد من المؤلفات الفقهية من ضمنها كتابه مدخل إلى القرآن الكريم الذي ألفه بالفرنسية أصلاً ثم تُرجم إلى العربية، والذي ذكر السفير الفرنسي في القاهرة في كلمته بمناسبة تقليد الوسام للسفيرة أنها أهدته له وأنه يعتز به كثيراً، أما السفير بدر عبد العاطي فقد نقل عنه الدكتور ضياء رشوان في مقالة كتبها بعنوان «بدر عبد العاطي ... من أسيوط لبرلين» أنه يعتز كل الاعتزاز بانتمائه لأسرة بسيطة من أسيوط، ومن ثم فإن انتماءه لوزارة الخارجية لا يعود إلا إلى تفوقه في امتحاناتها، وهي شهادة واضحة له بطبيعة الحال، لكنها شهادة أكيدة أيضاً للوزارة بأنها تطبق معيار الكفاءة في اختيارها للمنتمين إليها، وأذكر أنني كنت أناقش منذ مدة ليست بالطويلة رسالة دكتوراه خاصة بأحد الدبلوماسيين النابهين في الوزارة، وكانت قاعة المناقشة تغص بأفراد عائلته ذوي الأصول الريفية الطيبة، وكان وزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي عضوا في لجنة المناقشة، وهمس في أذني يومها بعد هذه المناقشة بما يفيد اعتزازه بأن باب الوزارة مفتوح للجميع بشرط كفاءتهم.

يبقى أن ثمة مصادفة غريبة أتاحت لى أن ألمس جانبا إنسانيا رائعا في شخصية السفيرة ندى دراز، فقد مررت بمحنة صحية أثناء وجودي في تونس في ديسمبر2008 لحضور مؤتمر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم اقتضت سفر زوجتي رحمها الله وابني لتونس بعد أن تطورت حالتي على نحو مقلق، وفي ذلك الوقت كانت ندى نائبة رئيس البعثة الدبلوماسية المصرية هناك فشملتهما برعايتها الكاملة طيلة فترة وجودهما، والأغرب أن السنوات قد مرت ما بين نهاية 2008 وخريف2013 حين أجريت عملية زرع الكبد في باريس وكانت السفيرة العزيزة آنذاك قنصلاً عاماً لمصر في المدينة نفسها، وامتدت إقامتي في مدينة النور أكثر قليلاً من ثلاثة أشهر رافقني ابني العزيز فيها، وترددت زوجته وطفلاه وابنتي وأسرتها على المدينة غير مرة على للاطمئنان فلم نجد جميعاً منها إلا أكرم الرعاية، رغم أنها كانت في ذلك الوقت تتصدى بجسارة لمحاولات فلول الإخوان المسلمين احتلال القنصلية وتخريبها. هنيئا للدبلوماسية المصرية تكريم اثنين من خيرة أبنائها وبناتها، وهما ليسا سوى رمز لذلك الجيل الشاب الذي تخرج فى المدرسة الوطنية للدبلوماسية المصرية ليواصل عطاء أساتذتها العظام في الدفاع عن مصالح الوطن.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: