رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صباح الخير.. سؤال مفتوح!

يشيع بين الناس الانجذاب إلى الطبيعة، وكلما خفتت الدعوة إليها تعود وتتألق بدعاوى مختلفة، عن الطب النبوي، أو العلاج بالأعشاب، أو الإبر الصينية، أو الوصفات الآسيوية، بالإضافة إلى وصفات جدتى للجمال والعلاج من كل الأمراض! وينبه العلماء إلى خطورة المغالطة الطبيعية، بأن يعتبر كل ما فى الطبيعة جيدا، مادام طبيعيا، وهى مغالطة شديدة الخطورة على الصحة العامة، لأن الطبيعة فيها من الأضرار كما فيها من الفوائد، وعلينا الوعى بالمغالطة التى توقعنا فى شر مسلماتنا!.

هناك مغالطة طبيعية أشد حساسية وعمقا، ترتبط بتقييمنا الأخلاقى فى الأمور الفكرية، التى تشكل الأساس المنطقى لكل تصرفاتنا وسلوكياتنا، وهى تتعلق بمفهوم الخير كمكون عقلى ونفسى لكل القيم، التى يتم تحديد أهميتها بناء على اتساقها مع هذا المفهوم، ويرى فيلسوف الفلاسفة (جورج إدوارد مور) أنه مفهوم مستقل لا تكافئه أى خاصية أخلاقية مادية، كاللذة أو المتعة أو السرور وغيرها من الخيرات المادية المحسوسة طبيعيا، وتعتبر منتمية إلى مفهوم «الخير» ويتم تقييمها من خلاله كفعل خير، بينما الخير نفسه حاسة فطرية طبيعية مستقلة، فهى معيار عقلى بسيط لا يُعرف إلا بذاته، وهو من يضفى صفة الخيرية على كل الأمور والسلوكيات، إن كانت خيرية أم لا، ويدركها الإنسان بفطرته الطبيعية، ولا يخدعه فيها أقوال وشعارات وتفسيرات المجادلين والسفسطائيين، فهو يلمس الخير دون تفاسير ومماحكات كإدراكه كما يقول هذا الفيلسوف العبقرى للون الأصفر إدراكا بديهيا... الخير هو الخير!.

هناك قضايا تسقط رغم الوجاهة اللفظية والشروحات المطولة لسبب بسيط، هو مناقضتها للحس المشترك أو الحدس الفطرى للخير، فعندما اندلعت هوجة «يناير» وتصدر الكلاميون المشهد وارتبك الناس مع تدخلات الهلافيت فكريا، احتملها الناس لفترة لأن اندلاعها كان بسبب افتقار مشروع التوريث لحدس الخير رغم ما يروج له من أفكار وإمكانات، إلا أنه مع التمادى فى الفوضى باسم الثورة أدرك الغالبية بالحس المشترك أن مسار الوطن لا يحمل خيرا، رغم اللعب على الوتر الدينى بشدة، فالدين فى حياة المصريين منذ الفراعنة هو الحياة من ثقافة وسياسة ومجتمع وفنون، ولكنهم استمروا شعبا واحدا، فرعونيا ويونانيا وقبطيا وإسلاميا، نفس المعبد لكل الأديان، لأنها كلها تقوم على مفهوم الخير، المستقل أى الوعى الفطرى الذى يقيم كل موضوعات الوعي، والفكر الدينى ليس خيرا فى ذاته، ولكنه خير عندما يحمل الخير فى ذاته، ويجيب عن السؤال المفتوح عند (مور) هل هذا الفكر وهذه القضية خير؟!.

لا أستغرب إطلاقا من فشل حملات الدعاية الساقطة للدعوة للثورة التى أصبحت مرادفا للفوضى لا الخير، فتسقط كل الحجج القائمة على الابتزاز العاطفي، سواء بالمتاجرة بالدين أو بالغلابة، فالمعاناة موجودة دائما فى كل زمان وكل مكان، والحس الأخلاقى هو ما يميز بين من يعملون على التخفيف من المعاناة وآلامها، ومن يتاجرون بها، ليزيدوا الأوجاع على أوجاع، فتسقط قضيتهم بفعل الحدس الأخلاقى لدى الغالبية، الذين لديهم إجابة صادقة عن السؤال المفتوح، هل يعملون لمصلحة الوطن والغلابة فيه فعلا أم لمصلحة أعدائه؟ وهل الشعارات الدينية التى يتخفون من ورائها خير؟ الإجابة فى الوجدان قبل العقل والتنظير والكلاميات فليس منهم وفيهم أى خير. وتجيب الطفرة من الإنجازات التنموية التى تشهدها مصر عن السؤال المفتوح، هل هى خير؟ ورغم أن الخطاب السائد لا يرقى لأهميتها فإن الشعور العام بالخير هو السائد، فقد كان فى عداد الأحلام القضاء على العشوائيات، أو بناء شبكة الطرق والكبارى الحديثة، وإقامة محطات هائلة للكهرباء، وحماية الرقعة الزراعية، ومحاولة حل معضلة الإصلاح الإدارى المترهل، وغير ذلك من الأعمال الواقعية لا الكلام والمتاهات السفسطائية، هى الأعمال الدالة على الخير فى ذاته، وتمثل أفقا لإصلاح سياسى واقتصادى واجتماعى مفتوح لا يتوقف فى البحث عن الخير، الكلمة التى نرددها صباحا ومساء، صباح الخير ما هى إلا سؤال مفتوح لإدراك الخير من وجوه الأحبة بعفوية بعيدا عن كل المغالطات، والحدس الأخلاقى هو المرشد الصادق وكما يقول على بن أبى طالب: دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ، أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغير وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ.. صباح الخير؟.


لمزيد من مقالات وفاء محمود

رابط دائم: