رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بطولات خارقة من حرب الاستنزاف.. الجزيرة الخضراء

علي مر التاريخ قدم الشعب المصري وقواته المسلحة أبطالا وشهداء قربانا للمجد وثمنا للكرامة... ضحوا بأنفسهم ليهبوا لنا الحياة. وأبطالنا في ملحمة الجزيرة الخضراء يفخر التاريخ العسكري وتزدان سجلاته بما سُطّر فيها لأروع ملاحم البطولة لخير أجناد الأرض صمودا ... وشجاعة... دفاعا عن أرضنا الطيبة. أكثر من نصف قرن مضي علي هذه الموقعة... فقد كنت شاهد عيان لها كرئيس لعمليات قطاع السويس العسكري والذي كانت الجزيرة الخضراء تقع ضمن نطاق المسئولية.

بدأت معاركها ليلة 19/20 يوليو 1969 خلال حرب الاستنزاف... وسطر بطولاتها مائة مقاتل مصري وهم يدافعون عن هذا الموقع المنعزل في عرض البحر وفي ظل ظروف بالغة القسْوة... وضد عدو متفوق بحرا وجوا... ومع ذلك كبدته خسائر فادحة لن ينساها... وأجبرت ما تبقي منهم حيا علي الارتداد ليستجمعوا أشلاءهم من القتلي والجرحي في عرض البحر, وعلي أرض الجزيرة مطالبين الأمم المتحدة مناشدة القيادة المصرية كيْ تسمح لهم بانتشال قتلاهم وجرحاهم من مياه خليج السويس حول الجزيرة الخضراء دون تدخل نيران مدفعياتنا...وقد استجابت مصر بفروسية المقاتل الشهم لهذا النداء الإنساني تماما كما سبق أن استجابت لنفس النداء ولنفس الأسباب بعد أن تمكنت قواتنا البحرية من تدمير وإغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية / إيلات شمال شرق بورسعيد يوم 21أكتوبر 1967. والجزيرة الخضراء تقع في منتصف الطرف الشمالي لخليج السويس وجنوب مدينة السويس بنحو 4-5 كيلومترات وفوق غابة من الشعب المرجانية خضراء اللون... وتبلغ مساحتها نحو كيلومتر مربع واحد... وتكمن أهميتها في سيطرتها علي المدخل الجنوبي لقناة السويس وكذا الملاحة في شمال الخليج. قُدرت قوة الإغارة الإسرائيلية عليها بأكثر من 300 فرد كوماندوز وضفادع بشرية ... ومدعمة بلانشات وقوارب زودياك مسلحة وأدوات ملاحة بحرية وأجهزة غطس ونجدة... تعاونها القوات الجوية الإسرائيلية ونيران مدفعياتهم الرابضة في عيون موسي شرق الخليج... وكانت مهمتها تتمثل في رغبة القيادة الإسرائيلية في الانتقام من قواتنا التي قامت قبل عشرة أيام فقط بشن إغارة ناجحة ضد مواقعهم في لسان بورتوفيق والقريبة شرقا من الجزيرة... كما تلخصت مهمتها في الاقتراب من مواقع قواتنا علي الجزيرة بمجموعات كوماندوز وضفادع بشرية لتمهيد الطريق أمام قوة الإبرار البحري للاستيلاء عليها... وقد بدأت أعمال القتال نحو الساعة العاشرة والنصف مساء ليلة 19/20يوليو 1969، حيث قامت المدفعية الإسرائيلية من مرابضها في عيون موسي شرقا بقصف مواقع قواتنا علي الجزيرة... وقبل فجر يوم 20يوليو تقدمت مفارز كوماندوز بحرية وضفادع بشرية للعدو شمال الجزيرة فتصدت لها بالنيران مجموعة من قوة الجزيرة العاملة علي هذا الاتجاه...

ثم اشتعل الموقف عندما ركزت نيران المدفعية الإسرائيلية وعناصر الكوماندوز أعمال قتالها في اتجاه جنوب الجزيرة... فتصدي لهم أبطالنا ونجحوا في تدمير عدد من اللانشات الإسرائيلية المسلحة علي هذا الاتجاه الجنوبي للجزيرة وأجبروا قوة الكوماندوز علي الانسحاب....

انتقلت الجهود الرئيسية ليشتعل القتال للمرة الثانية بشمال الجزيرة خاصة عندما تمكنت قوة معادية من التسلق واحتلال جزء من ارض الجزيرة في الشمال ليدور قتال متلاحم وعنيف ضد عدد كبير من أفراد الإبرار البحري والكوماندوز فتكبدوا خسائر فادحة في الارواح... كما استشهد في هذا الاشتباك عدد من ابطالنا. تصاعدت المعارك لتشمل كل أراضي الجزيرة، حيث كانت أشد تركيزا في الشمال والشرق منها، وفي قتال متلاحم حتي أول ضوء من اليوم التالي 20يوليو وقد نجح أحد أبطالنا في قتل القائد الإسرائيلي قائد عملية الاقتحام علي هذا الاتجاه... هذا في الوقت الذي اشتدت فيه نيران المدفعية المعادية من مرابضها في كلّ من لسان بورتوفيق وعيون موسي في الشرق بهدف عزل قواتهم التي مازالت تدير قتالا مستميتا في شمال وشرق الجزيرة... طلب قائد الموقع من قيادة قطاع السويس العسكري وبروح فدائية ومعنوية عالية قصف الجزيرة بنيران مدفعياتنا حتي لو تسببت في إحداث خسائر بين قواته... عندئذ أمر قائد الجيش الثالث الميداني بأن يلجأ باقي قواتنا علي الجزيرة إلي الطابق الأول السّفلي لها للتحصن به لمدة 15دقيقة قبل أن تبدأ مدفعياتنا بصب نيرانها علي الجزيرة.

أدركت القيادة الإسرائيلية نية القيادة المصرية بعد تكبد قواتهم خسائر كبيرة أمام المقاومات العنيفة لقواتنا، فقرروا التخلص من المعركة والانسحاب ونجدة جرحاهم وسحب قتلاهم من مياه الخليج... وعلي الفور أمر قائد قطاع السويس العسكري برفع نيران مدفعياتنا عن الموقع مع سرعة تنفيذ غلالات وستائر نيرانية حول الجزيرة... فأسرعت القيادة الإسرائيلية بطلب إلي الأمم المتحدة لتناشد القيادة المصرية بالسماح لهم بانتشال قتلاهم وجرحاهم علي الجزيرة ومن سطح البحر... فصدرت الأوامر من القيادة العامة بإيقاف النيران فورا استجابة لهذا النداء الإنساني.

هكذا... فشلت القوات البحرية والجوية الإسرائيلية وقوات الكوماندوز في الاستيلاء علي الجزيرة الخضراء كهدف حيوي مهم، ذلك علي الرغم من أنها فكرت وخططت وحشدت قوات بلغت أضعاف قواتنا المحدودة علي الجزيرة... وقد اعلنت في عدة بيانات خسائرها خاصة في الأرواح معلنة أنها بلغت أكثر من 30 قتيلا بخلاف الجرحي والمفقودين... بالإضافة إلي تدمير أكثر من ثمانية لانشات وزوارق إنزال... بخلاف خسائرها الأخري في الأسلحة وأدوات الغطس والملاحة البحرية. وفي اليوم نفسه ـ 20يوليو ـ وصلت برقية تهنئة من الرئيس جمال عبد الناصر إلي الموقع يشيد فيها بنضال الأبطال ومنحهم نوط الشجاعة.


لمزيد من مقالات لواء أ. ح. م. مسعد الششتاوى

رابط دائم: