رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نبوءة موشي أرينز للخروج من النفق

التفكير في سبيل آمن للخروج من النفق المظلم الذي تنحدر نحوه الأمة العربية كلها الآن في ظل مشروع «الحلف الأمريكي الجديد» يستلزم بداية الوعي بمجموعة من الحقائق المهمة التي تكشف لنا كيف وصلنا إلي هذا المنحدر الخطر الذي ينتهي معه أي وجود للنظام العربي، أيا كان الرأي فيه وتتلاشي في ظله الكثير من الدول العربية في ظل مخطط إعادة التقسيم، والأدهي أن الهوية العربية للأمة سوف تتلاشي حتماً هي الأخري كنتيجة طبيعية ومنطقية لتلاشي الدول وظهور دويلات وكيانات أخري بديلة بهويات أخري بديلة عرقية وطائفية ودينية.

أولي هذه الحقائق أن طرح مشروع الحلف الأمريكي لم يكن له أن يطرح بالأساس دون إنجاز القدر الكبير من جهود أمريكية مضنية بدأت مع تشكيل التحالف الدولي الذي قادته واشنطن لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991. فعقب إنجاز هذا التحالف مهمة تحرير العراق جري العمل علي عزل القضية الفلسطينية عن جوهر التفاعلات العربية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي عبر «مسار مدريد للسلام» عام 1991 الذي جعل القضية الفلسطينية قضية تخص الشعب الفلسطيني وحده دون غيره من الشعوب العربية، عندما فرض التفاوض باسم فلسطين في هذا المؤتمر علي وفد فلسطيني مستقل عن باقي الوفود العربية ومنع تشكيل وفد تفاوضي عربي للتفاوض مع وفد إسرائيلي حول مجمل قضايا الصراع، وعندما جعل التفاوض في هذا المؤتمر مقتصرا علي وفود مستقلة للدول العربية التي لها أراض محتلة من جانب إسرائيل دون غيرها من الدول العربية، وتلي ذلك العمل علي تفتيت الدول العربية، وإعادة تقسيمها إلي كيانات عرقية وأخري طائفية، وكان قرار الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تنفيذا لهذه الخطة التي حملت عنوان: «إعادة ترسيم الخرائط السياسية» وفق ما عُرف باسم «مشروع الشرق الأوسط الكبير» وقد عبر آفي ديختر وزير الجبهة الداخلية الإسرائيلي الأسبق في محاضرة له (أكتوبر 2012) عن عمق ارتباط إسرائيل بهذا المخطط عندما أكد أن «هدف إسرائيل الإستراتيجي هو عدم السماح للعراق بأن يعود إلي ممارسة دور عربي وإقليمي» مشيراً إلي أنه «إذا كان العراق قد تلاشي كقوة عسكرية وكبلد موحد بفضل الأدوار التي قام بها الأمريكيون داخله منذ غزوه واحتلاله، فإن هدف تحييده عن طريق تكريس أوضاعه المتردية يعد هدفا وأولوية إستراتيجية للأمن الإسرائيلي». ماحدث للعراق يحدث في سوريا وفي ليبيا وفي اليمن منذ تداعي وفشل موجة الانتفاضات الثورية وتزامن ذلك العمل علي تفكيك النظام العربي والدفع بالتفاعلات العربية نحو فرض الاستقطاب الإقليمي علي أسس طائفية بين محور يضم الدول العربية السنية وآخر يضم ما عرف بـ »«الهلال الشيعي» ابتداء من نهاية الحرب الإسرائيلية علي لبنان صيف 2006. أما الحقيقة الثانية التي يجب أن نأخذها في الاعتبار ونحن نبحث عن مخرج من النفق المظلم فهي أن الدولة الوطنية العربية (أو الدولة القطرية) سواء كانت ليبرالية وديمقراطية أو كانت مستبدة وتسلطية، سواء كانت جمهورية أم ملكية وراثية أثبتت، خلال العقود الثلاثة الماضية علي الأقل، أنها أضحت عاجزة عن حماية وجودها منفردة.

ثالث هذه الحقائق: أن هذه الدولة الوطنية أضحت عاجزة عن امتلاك «مشروع وطني للإنقاذ» في ظل ماحدث من انتكاسات لمشاريعها الوطنية،

. وسط هذه الحقائق الثلاث المأساوية تبرز حقيقة رابعة تقول أن «العروبة» كهوية حضارية وأن «المشروع النهضوي العربي» كبرنامج عمل يتبقيان الكفيلاين بإعادة لملمة الذات العربية المتبعثرة، لكن يبقي السؤال الصعب من أين نبدأ؟ أفضل من أجاب عن هذا السؤال هو موشي أرينز وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، فقد سبق أن قدم أرينز مايمكن اعتباره «استخلاصا إستراتيجيا» مفاده أن «التوحد العربي حول القضية الفلسطينية هو الكفيل، دون غيره، بالحفاظ علي وحدة الكيانات العربية، وأن غياب هذا التوحد حول القضية الفسطينية هو الطريق إلي تفكيك تماسك الدول العربية وإنفراطها» جاء ذلك في معرض تحليله أسباب اندفاع دول عربية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل. هذا الاستخلاص الإستراتيجي ارتكز علي مجموعة من الفرضيات المهمة. أولي هذه الفرضيات، وعلي النحو الذي كتبه أرينز نفسه أن «العداء العربي لإسرائيل كان عاملاً موحداً للعرب، فقد تغلب العرب، كما تغلب العالم الإسلامي أيضا علي الخلافات البينية بينهم، بسبب التوحد حول القضية الفلسطينية.

ثانيتها: أن بروز تهديدات جديدة لاتستهدف فقط العلاقة بين الدول العربية بل تستهدف أيضا وحدة وتماسك الدولة الوطنية العربية بين مكوناتها العرقية والدينية والطائفية والمناطقية، وتورط فصائل فلسطينية، في بعض الصراعات العربية ـ العربية أدي إلي «تداعي أولوية ومركزية القضية الفلسطينية في النظام العربي، ومع هذا التداعي بدأ انفراط النظام العربي نفسه».

ثالثتها: أن ظهور أخطار وتهديدات من قوي إقليمية «إيران بالنسبة للبعض من العرب، وتركيا بالنسبة للبعض الآخر، ناهيك عن ظهور الخطر الإثيوبي المائي بالنسبة لمصر والسودان) أدي إلي مزيد من تراجع أولوية ومكانة القضية الفلسطينية، والأهم هو تراجع الخطر الذي تمثله إسرائيل وتراجع مركزية هذا الخطر، مادفع بدول عربية للمبادرة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل والتعامل معها ليس فقط باعتبارها «حليفا محتملا» بل «كحليف مؤكد» في مواجهة الخطر الإيراني. رابعتها: إن إسرائيل هي من في مقدوره أن يملأ «فراغ القوة الإقليمي» وأن تكون القوة الداعمة والحليفة للدول العربية السنية في مواجهة خطر إيران وحلفائها، وأن هذا «الاستقطاب الإقليمي» هو الضمان الأكبر للتداعي النهائي للقضية الفلسطينية، وفرض إسرائيل زعيمة أحادية للشرق الأوسط هذه الاستخلاصات الإستراتيجية والفرضيات المنبثقة عنها التي يؤمن بها ويروج لها قادة الكيان الإسرائيلي تكشف أسباب ماحدث من تداع عربي، لكنها تكشف أيضا من أين يمكننا أن نبدأ معركة استعادة التماسك في الوعي العربي أولا وفي القوة العربية ثانيا كي نستطيع أن نتدبر من نحن؟ وماذا نريد؟ ومن هو العدو ومن هو الصديق ومع من نتحالف ومع من نتصارع؟ ولماذا وكيف؟


لمزيد من مقالات د. محمد السعيد إدريس

رابط دائم: