رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عن قواعد بناء سقفنا المنشود

فى عالم يوصف بأنه قريةً صغيرة، غدتْ الأوطان دُوُراً، ومواطنيها المُلاك قاطنين كانوا أو رُعاة، إذ تحتويهم بغير تفريق، وتؤُويهم بغير تمييز، وتتحصن الدار بتَنَبُّه مُلاكها، وتقّوى بفِعل سواعدهم مُجتمعة، وتتَطور تشييدًا بإبداع عقولهم المُتضافرِ، ويعلو بُنْيانها كُلما آمن مُلاكها أنهم أصحاب سيادة فيها وعليها، وهو ما يدعمه المفوضون بالإدارة عبر رؤية واضحة تمثل عقيدة التنمية والإعمار المؤهلة لتوليد طاقات الفعل فى كل مكونات الدار الوطنية، وفى ضوء هكذا فهم مبسط يكون بديهًا أن يبدأ استهداف خلخلة أى دارٍ/وطن، من خلال ضرب مُلاكها كونهم قواعد بنائها الأصيلة، وضامِنة صيانة أسقفها استقرارها المؤهل لشموخها ارتقاءً ورفعة.

وفى عالم جديد حسبما يصفه النظام العالمى المعاصر، غدت الدُور القديمة نتاج عصور خلت، بعدما قرر العقل العالمى المتسيد أن زمانها قد ولى، وأن صفحتها يجب أن تُطوى، وهو ما لن يتأتى إلا عبر ضرب قواعدها الأصيلة بمعاول أنتجتها ماكينة رسمية أممية منحوتٌ عليها اسمٌ يحمل تناقضاته البدهية «الفوضى الخلاقة»، وراحت هذه المعاول تضرب فى «الشعوب» كونها صُلب القواعد الراسيات لدورها التى هى أوطان، لتسرى جراثيم الهدم فى عقول صاحب السيادة فى الأوطان، مُمْتَهِنةً سامى الشعارات المُنادية بالحرية والحقوق والتغيير، وخالطةً بينها وبين عِلَلٍ تناقضها، لتصبح الحريات انحلالا، والحقوق تجارةً، والتغيير رِدةً حضارية واتدادًا عن أى مسارٍ للتقدم.

وفى واقع الدُور القائمة على خريطة عالم جديد يتشكل، تقف الدار المصرية حاملةً حتميات بقاء طبيعية بحكم الوجود القديم قدم الحياة، ومُحمَلة بأمراض مستحدثة أزمنت بحكم استشراء جراثيم الفساد والإفساد عبر عقود عدة خَلتْ، وعِلَل أحدثتها أدوات الفوضى الخلاقة الموَجَهة أمميًا صوب مِنطقتنا، وبتضافر الأمراض والعلل مع أدوات الفوضى يُصبح استهداف قواعد بنياننا فِعلُا لحظيا متكررا يحول دون استقرار قواعد دارنا الوطنية مانعًا صيانتها من جهة، أو تنميتها من جهة ثانية، وصولًا لاستهداف سقفها حصارًا أو تقزيمًا أو ثقبًا وصولًا لإسقاطه على رأس أصحاب الدار جميعًا بغير تفريق بين صاحب سيادة أو مكلف بإدارة، وهى نتيجةٌ طبيعية استهدفتها الإدارة العالمية حين تبنت الفوضى الخلاقة إستراتيجةً لها وإن أعلنت استنكارها لهذه النتيجة أو أسفها عليها!.

وفى مُكوِناتِ البناء المعاصرة لدارنا المصرية، مُكِونٌ رئيس استلبَه المُحتل الانجليزى من عموم مُلاكها، وأعاد صياغتَه بما يسمح له باستخدامه كُلما أراد وفق الأهداف العالمية بحسب تطور أدواتها، ليكون الشريك فى صياغة دارنا مكانةً وبنيانًا وتطورًا وتأثيرًا حسبما تستهدف الإدارة العالمية، وأعنى بهذا المكوِّن تنظيمات الدين السياسى وفى القلب منها تنظيم الإخوان، الذى رعته يد الإدارة العالمية حتى بات أممى الإدارة والتمويل والانتشار والولاء، والذى كان الأداة القادرة على الوثوب فوق أى فِعلٍ جَمْعى لتطوير أو تثوير يقوم به أهلُ دارنا وأى دار- بما يكبح حركة أى صاحب سيادة ويُجبر أى مكلفٍ بإدارة على الانشغال بتأمين البنيان وتأخير تقويمه أو تطويره.

وفى لزوميات صيانة دارنا المؤهلة للبقاء على خريطة عالم جديد، ما يفرض التَنبُه الجمعى لإستراتيجية استهدافه، التى تعتمد «الأرض مقابل الزمن» بصفتها الآلية الأجدى فى معارك خلخلة قواعد الأوطان، والأكثر مناسبةً للتنظيمات ذات المرجعيات والتكوين العنقودى والانتشار المجتمعي، وفى ضوء هذه الآلية اعتمد الإخوان منذ فشلهم فى إسقاط الدار المصرية الدولة - 2015، خطةً مفتوحة لإرباك الإدارة المصرية وإنهاك الدولة، وذا التفسير العملى للأرض مقابل الزمن، حيث تجد أى إدارة نفسها محاصرةً مهما تبلغ قوة تماسكها، وتمتلك أسباب تكاملها، وتعتمد أدوات تطورها، وذلك كونُها تعمَل وفى نسيج الرعية من يُشكك فى أى منجز، ويُسفه من أى أداء، ويؤزم كل مشكلة، ويُعرقِل مسارات التقييم، ويُشتت جهود التقويم، ويستفز كل مُكَلَف، ويؤجج غضب كل غاضب، ويخوِّن كل راضٍ، ويستفز أى مُضارٍ لو كانَ مجرمًا.

فى دارنا المصرية الجامعة أجيالٌ جديدة قادمة هم الأبناء والأحفاد، ولها كما لهم فى أعناقنا أمانة التوريث التى تفرض على ملاكها أصحاب السيادة فيها الشراكة فى الصيانة والتشييد والتنمية، كما تفرض على كل مكلفٍ بالإدارة تبنى إستراتيجية واعية يكون عنوانها النهضة مقابل الزمن، وهو ما يتطلب تقوية قواعد الوطن الأصيلة الشعب -، عبر صناعة وعى جمعى تعيد لدارنا مكانتها فى الوجدان، وتُوحِّد الصفوف خَلف المكلف بالإدارة، وتفتح آفاق التقييم المخلص تقويمًا لكل أداء مؤسسى وفردي، وتسمح بتعلية السقف الوطنى الجامع الذى تُطلِ منه مصر على عالم جديد يتشكل ولسان حالها راعٍ ورعية يهتف بأبيات شاعرهم حافظ إبراهيم «وَقَفَ الخَلقُ يَنظُرونَ جَميعا، كَيفَ أَبنى قَواعِدَ المَجدِ وَحدي، وَبُناةُ الأَهرامِ فى سالِفِ الدَهرِ كَفَونى الكَلامَ عِندَ التَحَدّي»، وما أعظم التحديات التى تواجه بنياننا.


لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: