رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فن إدارة المسافات

بريد;

للفيلسوف الألمانى أرثور شوبنهاور (1788- 1860) قصة رمزية ذات مغزى، جاء فيها أن مجموعة من القنافذ اقتربت من بعضها فى إحدى ليالى الشتاء قارسة البرد طلباً للدفء، لكنها لاحظت أنها كلما اقتربت من بعضها أكثر، تألمت بسبب وخز الأشواك التى تحيط بأجسامها، وأنها كلما ابتعدت عن بعضها أكثر شعرت بالبرد القارس الذى يكاد يجمد أطرافها، وظلت القنافذ حائرة بين سندان الألم، ومطرقة البرد إلى أن توصلت إلى المسافة المناسبة التى تقيها البرد القارس، وتضمن لها فى ذات الوقت الحد الأدنى من ألم وخز الأشواك.. نزعم أن هناك ما يمكن أن نطلق عليه (فن إدارة المسافات)، وهو فن نمارسه فى حياتنا بتلقائية.. انظر إلى المسافات التى نتركها فى أثناء الكتابة بين كل كلمة وأخرى، وتخيل لو أننا لم نحافظ على هذه المسافات، هل كان فى إمكاننا أن نقرأ الكلمات، ونفهم معناها، وقد تشابكت كل حروفها؟، وانظر إلى المسافة التى ينبغى علينا تركها بين أعيننا، وما نقرأ حتى يكون فى مقدورنا القراءة، ثم انظر إلى المسافة التى لابد أن تتركها كل سيارة، والتى أمامها حتى لا تصطدم حال وقوفها المفاجئ، ثم انظر أخيراً إلى التباعد الجسدى ولا نقول الاجتماعى - باعتباره أحد أهم الإجراءات الاحترازية للوقاية من فيروس كوفيد 19 (كورونا) الذى ضرب ومازال يضرب العالم.

هكذا هى حال الحياة.. لابد أن نترك مسافة بيننا وبين كل من نتعامل معهم لأنها تمثل حرماً لخصوصية كل إنسان.. إن الاقتراب الطاغى بدعوى الحب هو كاحتراق الفراشات حين يجذبها ضوء النار فتحترق بها، ولكى يبقى الجميل فى عينيك جميلاً، فلا تقترب منه أكثر مما ينبغى لأن من الحب ما قتل، وليس معنى ذلك أن نبتعد عمن نحب، فالمثل الشعبى يقول «البعيد عن العين، بعيد عن القلب».. إذن هناك مسافة مثلى لكى تبقى المشاعر متأججة بين الناس، وما زاد عن حده انقلب إلى ضده.. وهذه المسافة تزيد من الاشتياق، ففى لقاء الأحباء روعة وفى فراقهم لوعة .. وروعة اللقاء تتجلى فى الأمل، أما لوعة الفراق فلا تخمد إلا بلقاء.

إن ضبط المسافات يعد من أكبر سنن الكون ودلائل عظمة الخالق، ولم لا، فالشمس لو اقتربت ميلاً واحداً من الأرض لاحترقنا، ولو ابتعدت ميلاً واحداً عنها لتجمدنا؟.. يقول الله فى كتابه الكريم: «فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ» الواقعة ( 75-76) «وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذلك تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» يس (38 إلى 40).

د. محمد محمود يوسف

أستاذ بزراعة الإسكندرية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق