رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الزمان والمكان فى الإبداع

هناك عنصران على درجة كبيرة من الأهمية يؤديان الجانب الفكرى والإبداعى عند أى مفكر أو فنان مبدع. وقد اتفق الكثير من علماء النفس وأصحاب السير الذاتية على أن هذين العنصرين يتعلقان بحياة هذا المفكر أو ذاك الفنان وتأثيرهما على الإبداع الفكرى والفنى الذى يقدمه كل منهما بل إن المفكر أو الفنان قد لا يعى ذلك أو يدركه والكثيرون منهم يغفلون هذا الأمر إلا عندما يقرأونه فيما يكتبه أصحاب السير أوعلماء النفس عنهم. وهذان العنصران هما عنصرا الزمان والمكان.

وربما قد تؤدى نشأة فنان ما فى زمن معين إلى سرعة تطور شخصيته الإبداعية أو تصقل موهبته الفنية أو تساعد على توهج أفكاره بحيث يقدم للبشرية ثماره من أعمال رفيعة نتيجة هذا التفاعل أو قد يتمرد على واقعه ويرفضه ولكن رغم ذلك يظهر تأثير هذا الرفض وهذا التمرد فى أعماله دون أن يشعر، وقد يولد مبدع فى زمن خامل يصيبه هو الآخر بالخمول والبلادة أو يصيبه بالإحباط نتيجة ما يدور حوله من أنظمة وأحداث قاهرية ومجحفة وما يتنفسه فى مناخ لا يساعده على التفكير والإبداع، وتكون النتيجة هى هبوط مستوى ما يقدمه من أعمال لا تقوى على الوقوف فى وجه الزمن.

وينطبق ذلك أيضا على العنصر الثانى المهم وهو عنصر المكان وربما كان هذا العنصر أقوى تأثيرا خاصة أن هذا العنصر هو الذى يحدد شخصية المبدع منذ طفولته ويطبعها بطابعه الذى لا يستطيع أن يتخلص منه بل إنه يسمه بسمته حتى ولو ابتعد عنه.

ويرتبط المكان بالبيئة بوجه عام فهو جزء لا يتجزأ منها ويصبح هو والبيئة شيئا واحدا وعندما نتحدث عن المكان فنحن نعنى الحديث عن البيئة، وكذلك عندما نتحدث عن البيئة فنحن نعنى المكان. وفى الحقيقة فنحن نعلم أن البيئة هى الأم الحقيقية لكل إنسان يولد فيها وهى المتحكمة فى سلوك الفرد وتفكيره بل نستطيع أن نقول فى شكله ولغته وأخلاقياته وعاداته وتقاليده وربما لا تستطيع ثقافته أن تنتزع شيئا من هذه المواصفات بسهولة وربما تعجز عن ذلك.

وكما سبق أن ذكرت بأنه فى كثير من الأحيان قد يحاول المرء أن يهرب من بيئته أو يغادرها مضطرا لكنها تظل حية فى داخله بكل شرها وخيرها، ويطفو هذا فى تأثيرها دون أن يشعر المرء فى كل مظاهر تفكيره وإبداعه.

ويكون إحساس المبدع دائما بالمكان أقوى من أى شخص آخر، ويصبح عالمه المتكرر أو السائد دون أن يشعر وذلك فى كل ما يقدمه من إنتاج، وإذا حاول أن يهرب أويتخلص من هذا التأثير يأتى إبداعه ضعيفا وباهتا. ولذلك لا يقبل البديل ونحن نذكر ما قاله الشاعر أحمد شوقى

وطنى لو شغلت بالخلد عنه... نازعتنى إليه فى الخلد نفسى.

فإن شوقى لم يبدع فى منفاه إلا عندما تذكر المكان أو البيئة التى نشأ وتربى فيها.

فالمكان يصبح بأبعاده وشخصياته بمثابة المخزون الذى لا ينضب داخل النفس المبدعة للمبدع بحيث يشكل ملامح شخصيته الفنية بحيث يضفى بل يعطى إنتاجه مذاقا خاصا يجعله يختلف تماما عما عند غيره ويحدد قيمته الإبداعية بالنسبة لغيره حتى لو وجد كل منهما فى زمن واحد.

وتجاوز المكان إلى مكان آخر قد تكون نتيجته، كما سبق، أن ذكرنا، الفشل، فلن تجد فى عمله الألفة والحيوية والشمول الإنسانى، هذه الأشياء التى تجدها عند المبدعين المرتبطين عاطفيا وفنيا ببيئتهم. وربما هناك الأمثلة الكثيرة على ذلك فى الأدب العالمى وفى مجال الفنون الأخرى فنجد من المبدعين المرتبطين ببيئاتهم التى نشأوا وتربوا فيها حتى لو غادروها بعد ذلك فعلى سبيل المثال فى الأدب الإنجليزى جين أوستين والأخوان برونتى وجورج إليوت وتوماس هاردى وجوزيف كونراد البولندى الأصل وتعلم اللغة الإنجليزية فى سن العشرين إختار أن يكون البحر هو عالمه الفنى.

وفى الأدب الفرنسى نجد فيكتور هوجو وبلزاك وفلوبير وزولا. وفى الأدب الأمريكى ويليام فوكنر وشتاينبك وارسكين كالدويل.

أما بالنسبة لمبدعى الفن التشكيلى فقد قام معظمهم بتصوير ما حولهم من مظاهر البيئة بجمالها وقبحها، بل إننا نجد الفنان تولوز لوتريك كان يقيم تقريبا فى ملهى «المولان روج» فى باريس حيث رسم أعظم لوحاته التى أبرزت هذا المكان الصاخب براقصاته ورواده.

وعندنا فى مصر يبرز فى رسم المكان واتخاذه كركن قوى فى المذهب الواقعى كل من نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعى ومحمد عبد الحليم عبد الله فى رواياتهم وقصصهم وفى الفن التشكيلى كل من محمود سعيد ويوسف كامل وفى السينما كمال سليم وصلاح أبو سيف ويوسف شاهين. أما بالنسبة للفنان المبدع بديع خيرى فهو خير وليد لعنصرى الزمان والمكان فهو ابنهما البار.

وللحديث بقية...


لمزيد من مقالات مصطفى محرم

رابط دائم: