رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر أم الدنيا (3)

منذ أيام احتفلنا ببداية السنة القبطية أو المصرية القديمة الجديدة وهى توافق عام 6262، ولا أدرى لماذا لم تحتف وسائل الإعلام المختلفة بهذه المناسبة التى تدعو إلى الفخر بهويتنا المصرية؟ والبعض يظن لأنه يسمى التقويم القبطى إنه يخص مسيحيى مصر فقط. وهذا غير صحيح، فهو التقويم المصرى القديم الذى قال عنه هيرودوت: يتفق الجميع أن قدماء المصريين هم أول من ابتدع حساب السنة، وقسموها إلى اثنى عشر قسماً بحسب ما كان لهم من معلومات عن النجوم.

ففى عام 4242ق.م كان العالم المصرى الجليل توت الذى كان قد ولد فى قرية فى أبوقرقاص بالمنيا قد وضع حساب الزمن أى حدد السنين والشهور والأيام بعد دراسات كثيرة مئات السنين للنجوم والفلك والكون من علماء سبقوه.

وتخيل معى عزيزى القارئ فى هذا الوقت توصل أجدادنا إلى أدوات علمية لرصد النجوم والكواكب قبل اكتشاف جاليليو ونيوتن قوانين دوران النجوم والكواكب. فقد استطاع العالم المصرى توت فى عصر حضارة نقاده الثانية قبل زمن عصر الأسرات أن يتوصل إلى اكتشاف حركة النجوم وحساب الأزمنة، وبينما العالم كان يسكن الكهوف، ويعيش على القنص والزراعة فى حياة بدائية بلا تحديد للزمن، ولا يعرف كم عاش، ولا يدرك من الحياة اليومية سوى إنه ليل ونهار دون تحديد للسنوات أو الشهور أو الأيام والساعات رصد عالمنا الجليل ظاهرة كونية وهى ظهور نجم سموه بالمصرية القديمة سبدت وهو أيضاً نجم ألفا فى مجموعة الكلب الجبار (CanisMajoris)، وهو أيضاً سيريوس، وعند العرب نجم الشعرى اليمانية. وهذا النجم فى يوم محدد يظهر بوضوح بعد اختفاء طويل قبل شروق الشمس، ويسمى هذا الظهور الشروق الاحتراقي، والدراسات الفلكية أظهرت أن دورة هذا النجم تعادل دورة الشمس أيضاً وإن كانوا قد اكتشفوا فيما بعد فرق ست ساعات كل سنة.

ولكن دورة هذا النجم بهذه الصورة اتخذها العالم «توت» بداية العام والتقويم الذى وضعه، وكان متوافقا أيضاً مع وصول الفيضان إلى منف. لذلك فالسنة المصرية ليست قمرية ولا شمسية بحتة ولكنها نجمية شعرية.

وقد قسم وحدة الظهور سنة وجعلها مقسمة اثنى عشر شهراً بعدد الكواكب الموجودة فى منطقة اليروج التى تدور فيها كواكبنا السيارة والتى تسمى زودياك (Zodiac)، وجعل كل شهر ثلاثين يوماً. وقسم السنة إلى ثلاثة فصول أربعة أشهر للفيضان، وأخرى للزراعة، وأخرى للحصاد. ثم أضاف خمسة أيام وأعطاها اسم النسى وكان لكل يوم احتفال بإحدى صور الإله الذى يعبده المصريون. وحدد ساعات الليل بحركة النجوم، وساعات النهار بطول الظل للشمس، فقسموها اثنتى عشرة ساعة ليلية وأخرى نهارية.وتخيلوا حال البشرية قبل هذا العمل الجليل فلا حساب للزمن ولا معرفة للتاريخ ولا وعى وإدراك وتحديد للأيام.

ثم لاحظ العلماء المصريون أن هناك اختلافا يحدث عبر مئات السنين فى توقيت ظهور هذا النجم، فاشتكى الكاتب المصرى إلى الإله أمون أيام الرعامسة فى الأسرة التاسعة عشرة أن الأعياد الدينية تأتى متأخرة، وسجل التاريخ هذه الشكوي. وأخذوا يدرسون هذه الظاهرة حتى جاء عام 339ق.م الذى توصل فيه العلماء المصريون أيام حكم بطليموس الثالث إلى سبب هذه المشكلة، فاجتمعوا فى مدينة كانوب التى هى أبى قير الحالية بالإسكندرية وأتى كل العلماء المصريين وعرضوا نتيجة أبحاثهم الفلكية فوجدوا أن نجم الشعرى اليمانية يدور دورته الكونية كل 1460 عاماً لذلك فالسنة النجمية تقل عن السنة الشمسية بربع يوم، ويعيد ضبط الزمن كل 1460 عاماً فأضافوا يوماً كل أربع سنوات، وأعطوا هذا الحساب اسم الكبسى ومن هنا تأتى كلمة السنة الكبيسة.وكتبوا منشوراً بهذا باللغة المصرية الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية على حجر جيرى من أربع نسخ، ثلاث لا تزال فى مصر، وواحدة موجودة بمتحف اللوفر بفرنسا.

وحين جاء يوليوس قيصر إلى مصر عام 46ق.م أراد أن يزيل الخلل الحادث فى التقويم الرومانى فأحضر عالما مصريا فى الفلك اسمه «سوسيجنوس» ليضع تقويما جديدا لروما سمى التقويم اليوليانى وكان تقويما شمسيا فحدث مع السنين فروقات فتم تعديله عام 1582م بالتقويم الجريجورى وهو المنتشر فى كل العالم. وإن كان يحتاج كل أربعمائة سنة إلى تعديل جديد.

ولم يكتف العالم توت بأن يقدم للبشرية أول حساب للزمن، ولكنه أيضاً اخترع الكتابة مما جعل الإنسانية تسجل تاريخها كما يقول هيدجر: اللغة هى بيت الوجود التى فيها يقيم الإنسان. ويقول العالم سيمون بوتر الإنجليزي: إن كافة الأبجديات تنحدر فى العالم من أصل مشترك واحد، اشتقت جميعها من الكتابة التصويرية التى نشأت فى مصر القديمة.

ويقول أيضاً جاردنر: ظل التاريخ المدون فى حكم العدم حتى اكتشف المصريون فى حقبة ما قبل الأسرات الكتابة المصورة، ويقول برستيد: «تقدم المصريون فى اختراع الكتابة جعل فى أيديهم السيطرة على طريق التقدم نحو الحضارة.

وبدأت الكتابة بما يسمى الهيروغليفية أى النقش المقدس ومنها اشتقوا الخط الكهنوتى أى الهيراطيقى واستخدمه الكهنة للكتابة على البردي، ثم ظهرت كتابة أسهل وأسرع فى عام 736ق.م وهى الديموطيقية. وبعد انتشار اليونانية فى القرن الثانى قبل الميلاد ظهرت القبطية وهى نفس مفردات اللغة المصرية القديمة مكتوبة بحروف يونانية مضافة إليها سبعة حروف ديموطيقية.

هذه هى مصر التى قبل التاريخ صنعت التاريخ، وفى عصور الجهل صنعت المعرفة، وفى عصور الظلمة كانت النور... لأنها هى أم الدنيا.


لمزيد من مقالات القمص . أنجيلوس جرجس

رابط دائم: