رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الاستقلال الثانى للبنان

فى مثل هذا اليوم الأول من سبتمبر عام 1920 أعلن الجنرال هنرى جوزيف أوجين غورو المندوب السامى للانتداب الفرنسى على لبنان وسوريا قيام دولة لبنان الكبير وعاصمتها بيروت، بعد ضم عدد من المدن الساحلية وسهل البقاع والسهول الشمالية إلى متصرفية جبل لبنان، وفصلهم عن سوريا، وتأكيدا للعلاقة القوية بين دولة لبنان الكبير وفرنسا تم دمج علمى لبنان وفرنسا معا فى علم واحد واعتباره علم الدولة الجديدة. واليوم بعد مائة عام، يقود الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون محاولات إنقاذ الجمهورية اللبنانية، التى وصلت إلى حافة الانهيار سياسيا واقتصاديا وعلى كل المستويات لأسباب كثيرة، منها تحول معظم القوى السياسية والطائفية إلى وكلاء محليين لقوى إقليمية ودولية، والتحالف الوثيق بين مؤسسة الفساد وبارونات الطوائف.

منذ مائة عام شهدت دولة لبنان الكبير التى خلقتها فرنسا صراعا ضخما بين المسلمون والمسيحيين، وبعد نضال طويل للاستقلال عن الانتداب الفرنسى وتوحيد الصفوف، قدم كل طرف من الفريقين تنازلا من أجل الحصول على الاستقلال، فتنازل المسلمين عن طلب الانضمام إلى سوريا فى كيان واحد، وتنازل المسيحيون عن مطلب استمرار الحماية الفرنسية لهم، وكانت هذه التنازلات هى المعادلة التى قام عليها الميثاق الوطنى اللبنانى. ورغم أن كل اللبنانيين مسلمين ومسيحيين شاركوا فى حركة نضالية موحدة ضد الانتداب الفرنسى بعد ذلك، حتى نجحوا فى إعلان استقلال لبنان عن فرنسا فى 22 نوفمبر 1943، وتم الاعتراف به فى الأول من يناير 1944، وانسحبت القوات الفرنسية فى 1946 معلنة انتهاء عهد الانتداب، إلا أن الصيغة الطائفية التى قام على اساسها لبنان ظلت قنبلة موقوتة تهدد الدولة كلها على مدى عقود طويلة وحتى اليوم، وزاد من حجم الخطر تفرع الطائفتين الرئيسيتين إلى 18 طائفة ومذهبا، حاولت كل منها الاستقواء بالخارج لتثبيت اقدامها فى الداخل، ليتحول لبنان إلى ملعب لكثير من الدول الإقليمية والدولية.

منذ مائة عام شاركت كل الطوائف اللبنانية فى النضال للتخلص من الانتداب الفرنسى، والشهر الماضى وقع أكثر من 65 ألف لبنانى عريضة إلكترونية بالتزامن مع زيارة ماكرون السابقة إلى بيروت تطالب بعودة الانتداب الفرنسى إلى البلاد، وما بين الموقفين شهد لبنان تطورات ضخمة أدت إلى تدميره مرات متعددة، وأضحت عمليات الاغتيال السياسى جزءا من الفلكولور اللبنانى فى بعض السنوات، ولم يعد المطلوب مجرد تنازلات من هذه الطائفة أو تلك، ولكن تعقد الموقف ليصبح مرتبطا بالصراع الامريكى الإيرانى، والخليجى الإيرانى، والوضع فى سوريا، والتحركات التركية وسط الجماعات الإسلامية المتطرفة، والأطماع الصهيونية، فهل تنجح فرنسا (الأم الحنون كما يطلق عليها بعض اللبنانيين) فى إنقاذ الدولة التى أسهمت بالدور الأكبر فى صنعها؟!. إن تصريحات المسئولين الفرنسيين تعكس إصرارا على الإمساك بزمام الحل السياسى فى لبنان، واعتبار أن البديل هو اندلاع حرب أهلية مرة أخرى، لكن المشكلة لا تكمن فى مجرد تشكيل حكومة جديدة، فكم من الحكومات شهدتها البلاد وفشلت فى منع الانهيار، كما أن الحديث عن حكومة مستقلين هو أمر غير واقعى، فلا يوجد مستقلون حقيقيون فى لبنان، الكل- خاصة من لهم صلة بالعمل العام - لديهم انتماءاتهم السياسية خاصة أنها مرتبطة بالانتماء الطائفى، حتى لو لم يكن لهم نشاط حزبى، ولذلك شاءت فرنسا أو أبت ستكون أى حكومة لبنانية مرتبطة ـ علنا أو سرا ـ بالقوى السياسية الطائفية، وحتى تشكيل الحكومة نفسه لابد أن يكون محل توافق إقليمى ودولى إذا كنا نريد لها النجاح فى مهمة إنقاذ الأوضاع اللبنانية المتردية وصولا إلى التحضير لانتخابات نيابية، لذلك فإن بعض المحللين اللبنانيين يروجون لفكرة أنه من المستبعد تشكيل حكومة جديدة قبل الانتخابات الامريكية حتى لو تم تكليف رئيس وزراء جديد، لأن إيران لن تستخدم ورقة لبنان فى المفاوضات قبل أن تعرف هوية ساكن البيت الأبيض الجديد. وفى المقابل يرى آخرون أن بعض الدول الخليجية غير متحمسة لتولى شخصيات محسوبة عليها مناصب مهمة فى الحكومة الجديدة حتى لا تشكل غطاء سياسيا لقوى لبنانية تناصب هذه الدول العداء فى إطار الصراع الإيرانى الخليجى، بينما ترى امريكا أن الوقت مناسب لإعادة ترتيب الأوضاع الحدودية فى الجنوب اللبنانى، من خلال إعادة هيكلة القوات الدولية اليونيفيل، وتعزيز سيطرتها على المنطقة المحصورة مابين نهر الليطانى والخط الأزرق، لمحاولة السيطرة على تحركات حزب الله فى المنطقة الحدودية، لضمان أمن اسرائيل، فالأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة فى الوضع اللبنانى لها أهداف أخرى غير مجرد تشكيل حكومة أو حل أزمة، بعضها مرتبط بأزمات وقضايا خارجية. إلى جانب أن أى حكومة لبنانية لن تستطع الخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة دون مساعدات خارجية ضخمة، والدول والمنظمات المانحة تشترط القيام بإصلاحات اقتصادية محددة مقابل المساعدات، ولن تتمكن أى حكومة لبنانية من القيام بهذه الإصلاحات مالم تكن مدعومة بشكل حقيقى من كل القوى اللبنانية، لأن بعض الإصلاحات قد تتسبب فى فرض أعباء جديدة على المواطن اللبنانى، ولذلك فالحكومة بحاجة إلى ظهير شعبى يساندها فى تنفيذ الإصلاحات. إن تعقد الوضع اللبنانى يجعل من الصعب حل أزماته، بمجرد تدخل فرنسى، رغم أن الرئيس ماكرون يجرى اتصالات مع الدول الأخرى المؤثرة فى الداخل اللبنانى، وبارونات الطوائف لن يستسلموا بسهولة أو يتنازلوا عن مواقعهم التى اكتسبوها طوال عقود، وإذا اختفت الزعامات السياسية الموجودة على الساحة الآن فسيكون البديل هو الأبناء والأصهار دون أى تغيير حقيقى فى النهج والسياسات. لم يعد لبنان بحاجة إلى الاستقلال عن الانتداب الفرنسى الآن، وإنما بحاجة إلى الاستقلال عن مشروعات الهيمنة الإيرانية والامريكية والتركية والخليجية والصهيونية والفرنسية، وأن تتحرر القوى اللبنانية من صفة الوكلاء المحليين لدول إقليمية ودولية، وتصبح وكيلا وحيدا للشعب اللبنانى فقط.


لمزيد من مقالات فتحـى محمـود

رابط دائم: