رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إخماد الحريق فى البَيت العَربى

هزّ انفجار مرفأ بيروت كامل البيت العربي، ولسع لفح نيرانه نياط قلوب كل المنتمين إلي هذا البيت، وما جاوره من بيوتات الإنسانية، إذ لم يفرق الفزع بين منْ هاجمته ألسنة النيران، ومَنْ داهمهُ إيقاع حضورها انفجارًا، ومَنْ وصلته مشاهد حضورها المباغت في الأزقة والشوارع إلي البيوت والمشافي ودور العبادة وصولًا إلي ساحة الاحتفال بعُرس لتحيل خطوات العروس المتأنقة متأبطة العريس تنشد التباهي في ليلة العمر، إلي هرولاتٍ فزِعة تنشد التشبث بقشة أملٍ في بقية من عُمْر.

انقشع غيم الفزع ليتصاعد الدخان مختلطًا بالصرخات، النيران تأكل ما تواجهه، مستعرةً بفعل2750 طنًا من مادة  «نترات الأمونيوم»ا لتي كانت مصادرة ومخزنة في المرفأ، هذا ما صرح به أحد مسئولي الأمن  لـ «المؤسسة اللبنانية للإرسال»، مضيفًا أن هذه الأطنان قد انفجرت أثناء عملية  «لحام» لفتحة صغيرة لمنع السرقة، وبعد خمسة أيام من الانفجار بلغت حصيلة الضحايا أكثر من 158 قتيلًا، وما لا يقل عن 6000 مصاب، في حين عُدّ 21 شخصًا في عداد المفقودين، ووصلت آثار الانفجار التدميرية إلي المنازل التي تقع علي بعد 10 كيلومترات، ودُمِّرت ثاني أكبر  «رافعة حبوب» في المدينة المأزومة غذائيًا أصلًا، ودُمّرت تمامًا ثلاثة مستشفيات، وتعرض مستشفيان آخران لأضرار منعت استقبال المصابين ودفع مستشفي سانت جورج إلي علاج المصابين في الشارع!.

لكن فزعًا أكثر بدأ يُخيم علي البيت العربي وهو يتابع تفاعلات المفوضين بالإدارة في لبنان مع الحادثة، حيث تجاوز جميع السادة المسئولين موقع المسئولية عن وقوع الكارثة ليكون تفاعلهم معها من موقع ضيوف الشرف في الأعمال الفنية، فالرئيس ميشيل عون عدها كارثة كبري حلّت بلبنان، وفي مواجهتها قرر تقديم الدعم  الحكومي للنازحين وتغطية نفقات علاج الجرحي، أمَّا رئيس الوزراء اللبناني  «حسان دياب»، فلقد قرر اعتبار الأربعاء 5 أغسطس «حدادا وطنيا»، متعهدًا بمحاسبة المسئولين، في حين أعلن محافظ بيروت «مروان عبود»بيروت مدينة منكوبة وبرر ذلك بأن الانفجار يشبه الانفجار الذي نتج عن «القصف الذري علي هيروشيما وناجازاكي»، ودخل علي خط التفاعل رئيس الحكومة اللبنانية السابق «سعد الدين الحريري» مُصرحًا (بيروت تستغيث وما أصابها يدمي القلوب)، وفي إطلالة متلفزة أعقبت ثلاثة أيام من الحادثة خرج الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ليقول أعلن اليوم نفيا قاطعا ومطلقا وحاسما أنه لا شيء لنا في المرفأ، لا يوجد مخزن سلاح أو مخزن صواريخ أو بندقية أو قنبلة أو رصاصة أو نيترات الأمونيوم علي الإطلاق!.

وبينما كل مسئولٍ يغني علي ليلاه، كان تاريخ شحنة النترات المُحدثة للتفجير، يُعري سوءات كل من حضر في مشهد إدارة لبنان إحدي وحدات البيت العربي، إذ إنه في 21 نوفمبر 2013، توقفت في ميناء بيروت «سفينة بضائع» روسية تحمل اسم «إم في روسوس» وترفع علم »مولدوفا« وتتجه إلي مدينة »موزمبيق«، وعلي متنها 2750 طنا من مادة »نترات الأمونيوم«، وكان سبب التوقف مشاكل في محرك السفينة، التي قررت الرقابة في الميناء بعد المعاينة أنها غير صالحة للإبحار، ثم أمرت المحكمة سلطات الميناء بتفريغ السفينة علي الشاطئ بسبب المخاطر المتعلقة بإبقاء النترات علي متن السفينة، ليتم تخزينها في المستودع رقم 12 في الميناء، وهو المستودع الذي انفجر بعدها بست سنوات، رغم تتابع رسائل العديد من مسئولي »الجمارك اللبنانية« إلي القضاء اللبناني يطالبون فيها بحل قضية المواد المصادرة (نظرًا للخطورة الشديدة التي يسببها بقاء هذه البضائع في المخزن في ظل ظروف مناخية غير ملائمة حفاظًا علي سلامة المرفأ والعاملين فيه).

عند هذا الحد من سرد مشاهد الفزع داخل البيت العربي، نكتشف أن الكارثة التي تعاني منها إحدي وحداته ليست إلا ترجمة لواقعٍ مأزوم تحياه معظمها، بفعل حالة الانفصال بين الواقع المعيش داخلها من جهة والواقع المُتصور في وعي المفوضين بالإدارة من جهة أخري، الأمر الذي يُنتج ثنائية في قائمة الأولويات إحداها تخص المعنيين بالإدارة والأخري تخص الشعوب، وتتطلب هذه الثنائية مرونة لدي وجوه الإدارة تسمح لهم بالسير في جنازات قتلاهم حرقًا أو جوعًا أو قهرًا وذرف الدموع الغزيرة علي الضحايا الأبرياء الذين أسقطوا من حسابات الإدارة أحياءً لكن لا مانع من أن تذكرهم خطابات الرثاء الرسمية أمواتًا!.

إن احتراق إحدي وحدات البيت العربي في توقيت تناثر الشرر داخل باقي الوحدات، يستوجب إعادة النظر في أسس تشييده، بما يعيد ملكيته لصاحب السيادة الأصيل، ويضمن صيانته عبر كل مفوضٍ بالإدارة في سائر وحداته، ويدعم تكافل وحداته في مواجهة مهددات بقائه، ويستهدف تطوير بنيانه ليتمكن من البقاء علي خارطة عالم مراد له أن يتغير حتي وإن كان التغيير بالفوضي المسقطة، أو العصبية المفتتة أو بنيران الفساد والاستبداد والتطرف المحرقة.


لمزيد من مقالات عبدالجليل الشرنوبى

رابط دائم: