رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أردوغان بين المطرقة والسندان

لا يعتبر المشهد الليبى معقدًا من الناحية السياسية كالمشهدين السورى واليمني. فالتصريحات المصرية الأخيرة التى أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسى على الملأ بشأن وضع ليبيا بالنسبة لمصر، وتحديده خطًا أحمر لوقوف الأطراف كافة عنده كبداية للتفاوض، حتى تضع الحرب أوزارها بين أبناء الوطن الواحد، حسمت الأمر ووضعت أردوغان بين المطرقة والسندان، بل جعلت جميع القوى تعيد حساباتها نحو ليبيا، وأكدت للعالم أن مصر لا تمزح عند الدفاع عن كيانها التاريخى وأمنها القومي. ومن يعى حركة التاريخ سيدرك أن أمن مصر القومى عبر العصور كان ولا يزال يمتد حتى إقليم بنتابوليس، وتعنى الأقاليم الليبية الخمسة، أى حتى الهلال النفطى أو حتى الخط الأحمر الذى تحدث عنه الرئيس السيسي- ذو الحِس التاريخي- وأن أمن ليبيا تاريخيًا ووحدتها ينطلقان من مصر.ويشير بعض المحللين السياسيين إلى أن أردوغان جاء ليقضى واجبًا مشروعًا فى أرض المجاهدين الليبيين متناسيًا أن أبناءها بقيادة عمر المختار أذاقوا الإيطاليين مرارة الصحراء وشدتهم. ويمضى البعض فى قوله إن هدفه وضع يده على الهلال النفطي، ليدعم الاقتصاد التركى المهتز. ويظن البعض الآخر أن أردوغان جاء من أجل مشاريعه التوسعية والعودة إلى زمن السلاطين العثمانيين.

وبعيدًا عن تلك الفرضيات، يمكننا أن نلخص القضية فى محورين أساسيين تدور حولهما الإشكالية: المحور الأول: هو الغاز الطبيعى الليبي، والمحور الثاني: هو مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية لتبنى كيانًا سياسيًا للإخوان المسلمين فى المنطقة العربية بزعامة تركية، بعد أن فشل مشروعهم السلطوى فى مصر وانكشفت عوراتهم. بالنسبة للمحور الأول من القضية, تأتى البداية من روسيا التى تتحكم فى غاز سيبيريا الذى تصدره لأوروبا، حيث بإمكانها أن تجعل القارة العجوز متجمدةً شتاءً إذا ما تقاعس الأوروبيون عن السداد، أو تقديم المساعدات، أو استمروا فى التحرش السياسى بروسيا، بحثٍ من عدوها اللدود الولايات المتحدة. هنا ظهرت حاجة أوروبا إلى غاز بديل لغاز سيبيريا. فظهر مشروع الغاز القطرى عبر الأراضى التركية، كبديل لغاز سيبيريا، وحدث ما حدث فى سوريا، التى كان مقررًا مرور خط أنابيب الغاز القطرى عبر أراضيها ثم إلى ميناء الاسكندرونة التركي. وفشل المشروع بدخول روسيا إلى المشهد السورى فى وجه القوى الغربية الساعية لتنفيذ مشروع الغاز القطري.

وهنا تتجلى حنكة الرئيس السيسى حين استشرف المستقبل وما سيسفر عنه المشهد السياسي، فعقد تحالفًا مع قبرص واليونان ورسَّم الحدود البحرية لمصر شمالى المتوسط، فى الوقت الذى كان أردوغان لايزال يلهو فى الصحراء السورية, فجاءت الضربة قاصمة له، حيث لم يعد بإمكانه الخروج عن مياهه الإقليمية للتنقيب عن الغاز وإلا احتك بمصر وحلفائها. وبنظرة عابرة إلى الخريطة الجغرافية للمتوسط سنجد أن خط الحدود البحرية التركية إذا امتد طبقًا للقانون سيتوقف عند حدود جزر رودس وكريت اليونانيتين وقبرص، وإلا سيصطدم بحدود مصر البحرية قبالة مرسى مطروح أو السلوم على الأقصى. لكن أردوغان ابتكر خطًا وهميًا متعرجًا، بحيث يقطع خطه الوهمى حدود الجزر اليونانية وقبرص بحرًا ويصطدم بحدود مصر البحرية معهما، وينكسر غربًا، ليصل إلى شرق ليبيا التى تقابل حدودها البحرية اليونان وإيطاليا فقط. وهكذا، رسم أردوغان مع السراج حدودًا افتراضية بقلم رصاص، غير مُعتَّرف بها دوليًا، غير مدركَّين أن الممحاة بيد مصر.

> كاتب ومؤرخ- وكيل آداب عين شمس


لمزيد من مقالات د. طارق منصور

رابط دائم: