رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مناقشة لأفكار غير دقيقة عن مواجهة محتملة

أثارت المواقف الأخيرة للقيادة المصرية من الصراع الراهن في ليبيا ردود فعل واسعة تتناسب ووزن مصر الإقليمي عامة وثقلها في الملف الليبي خاصة، ومن أوائل ما تضمنته ردود الفعل هذه الجدال حول مدي جدية التهديد المصري إن لم تُحترم خطوطها الحمراء، وكان واضحا لكل من تابع سياسة مصر العربية عامة وتجاه ليبيا خاصة أن قيادتها تُتْبع القول بالعمل ومواقفها تجاه الملف الليبي ثابتة بما في ذلك اللجوء إلي الحسم العسكري المباغت إذا دعت الحاجة، ولا أنسي تلك الليلة الحزينة التي اغتال فيها الإرهاب 21مواطنا مصريا بريئا وصدر عقب تلك الجريمة بيان تحدث عن رد مصري في وقت مناسب فإذا بالمصريين يفتحون أعينهم صبيحة اليوم التالي مباشرة علي الرد الحاسم، وتكرر السلوك بحذافيره عندما دُبرت عملية إرهابية أخري داخل الأراضي المصرية وإن خططت لها العناصر الإرهابية الموجودة في ليبيا، ناهيك عن اللهجة الحاسمة التي تحدث بها الرئيس عن خط مصر الأحمر وعلاقته بأمنها لا تترك مجالا لأدني شك في صدقية التهديد المصري الذي يهدف إلي ردع المعتدي فإن لم يرتدع لا يكون ثمة مجال إلا لتنفيذ التهديد، وكان من ضمن ردود الفعل أيضا ما أبدي القلق من مغبة التدخل العسكري المحتمل خارج الأراضي المصرية وتكلفته مذكرا بالخبرة المصرية في اليمن في ستينيات القرن الماضي، وسبق أن أوضحت الفارق الجذري بين الحالتين حيث كان التدخل في اليمن عملا هجوميا ضمن المشروع العربي لعبد الناصر بينما يرتبط التدخل المحتمل في ليبيا مباشرة بالأمن المصري حيث لا مجال لمزاح.

ومن أهم ردود الأفعال تلك التي حذرت من صعوبة المواجهة المحتملة حال تدخل الجيش المصري ضد ميليشيات غير نظامية كتلك الموجودة في ليبيا بما يُدخل تلك المواجهة في إطار ما يُسمي الحروب غير المتماثلة أي تلك التي تدور بين جيوش نظامية ومجموعات غير نظامية تلجأ إلي أساليب غير تقليدية كالكر والفر وعمليات التفخيخ والعمليات الانتحارية وما إلي هذا، وتُظهر الخبرة التاريخية أن هذه المجموعات غير النظامية تحقق نتائج لا تتناسب مع ميزان القوي بينها وبين خصمها بالمعني التقليدي، والواقع أن حروب التحرر الوطني والحروب المكافحة للنظم الاستبدادية تندرج كلها في هذا الإطار، وقد نذكر أن حرب التحرير الجزائرية بدأت بعشرات من المناضلين المسلحين بأسلحة خفيفة وتمكنت من تحقيق الاستقلال عن استعمار دام قرنا وثلث القرن في ثماني سنوات، وأن مثيلتها في جنوب اليمن ضد الاحتلال البريطاني نجحت في أربع سنوات وشهور في طرد قواته، ويمكننا الاستشهاد في هذا السياق أيضا بخبرة الڤيت كونج في ڤيتنام الذين كانوا يناضلون لإسقاط النظام في جنوبها التابع للولايات المتحدة والمدعوم منها عسكريا علي نحو هائل، واستطاعوا أن يحققوا نصرا كلاسيكيا علي القوات الأمريكية أجبرها علي الانسحاب وسقط النظام الذي كانت تحميه وتوحد شمال فيتنام مع جنوبها، ومن هذه الخبرات وغيرها يُحذر البعض من صعوبات المواجهة المحتملة مع الميليشيات الإرهابية المنطلقة من غرب ليبيا خاصة أنها كما في الحالات الأخري تتمتع بدعم خارجي قوي هو في حالتنا الدعم التركي.

وفي سياق التحليل السابق استمعت في الفضائية البريطانية الناطقة بالعربية مؤخرا لتصريح لباحث مصري مرموق في تقرير أعدته عن التطورات الليبية مفاده أنه في أي مواجهة بين جيش نظامي ومجموعات غير نظامية فإن النصر يكون للأخيرة! ولا شك عندي في أن التصريح قد تم اجتزاؤه من سياقه، ومع ذلك لا يمكننا تجاهل المعني الذي انطوي عليه، وهو ما درجت عليه وسائل إعلام كثيرة تدعي الحياد وهي أبعد ما تكون عنه، وإذا طبقنا المقولة السابقة علي المواجهة المحتملة بين الجيش المصري وميليشيات الإرهاب المدعومة تركيا فإن النصر سيكون لا قدر الله من نصيبها، وهو معني مرفوض تماما ليس بدواعٍ وطنية فحسب وإنما تأسيسا علي تحليل علمي صارم، فالقول بأن نتيجة الحروب غير المتماثلة تكون دائما في مصلحة المجموعات غير النظامية قول باطل يتجاهل متغيرا بالغ الأهمية لا يمكن إغفاله، ولن أُناقش ما إذا كان تكييف المواجهة المحتملة مع ميليشيات الإرهاب المدعومة تركيا يضعها تماما في إطار الحروب غير المتماثلة فهذا أمر يفتي فيه الخبراء الاستراتيجيون ولست منهم، ولكني أركز علي المتغير الذي ذكرت توا أنه لا يمكن إغفاله وهو طبيعة القضية التي تدور الحرب حولها، ففي كل حروب التحرر الوطني أو تلك التي تحاول إسقاط نظم استبدادية تكون قضية التحرر من المستعمر الخارجي أو المستبد الداخلي قضية شعبية بامتياز توفر للمناضلين من أجلها حاضنة اجتماعية آمنة يكون لها مردود لوجريستي إيجابي بلا حدود كما تظهر كل الدراسات السياسية والتاريخية والأعمال الأدبية والسينمائية التي تناولت تلك الحروب، ومن هنا يجئ النصر أولا كنتيجة لعدالة القضية والالتفاف الشعبي حولها، أما حين يغيب هذا المتغير فلا قيمة لمتغير الحروب غير المتماثلة في حد ذاته وإلا لكان داعش قد انتصر علي القوات العراقية والقوات الدولية المتحالفة معها ولكانت قوي الإرهاب قد تمكنت من صد الأداء البطولي للقوات المسلحة المصرية في سيناء وأحكمت سيطرتها عليها، ومع ذلك فإنه يبقي لذلك الرأي غير الدقيق الذي ناقشته في هذه المقالة ميزة أنه يلفتنا إلي أن المواجهة المحتملة للدفاع عن خط مصر الأحمر إن وقعت حال تملك الغرور وعدم الرشادة من الإرهابيين وحماتهم لن تكون سهلة، ذلك أنه من الخطورة بمكان أن يستخف البعض بهكذا معركة، فهي معركة ضرورية للدفاع عن مصر وأمنها تخوضها ضد قوي إرهابية مدعومة بقوة إقليمية باغية والنصر فيها قادم بإذن الله مهما تكن التضحيات.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: