رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى نقد المركزية الأوروبية

كان للانتشار العالمى الذى حظيت به أعمال عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفى شتراوس التأثير الأكبر فى ذيوع وترسيخ ما يسمى بالنقد الثقافى الذى يملأ الساحة الفكرية العالمية منذ السبعينيات من القرن الماضى. ويعد نقد المركزية الأوروبية أحد أهم المقولات الإجرائية الفاعلة فى مجال النقد الثقافى. التحرر من المركزية الأوروبية صار مطلبا عالميا نصادفه فى مجالات الإبداع والنقد والعلوم الإنسانية فى مختلف الثقافات الإنسانية. تعنى المركزية الأوروبية أن أوروبا بالنسبة للعالم هى المركز وباقى أقاليم العالم هى المحيط، أو قل هى الشمس والآخرون ليسوا إلا أقمارتدور حولها، ومن المعروف أن القمر جسم معتم لا يشع نورا من داخله وإنما يعكس النور الذى يشع من الشمس.

النزعة المركزية الأوروبية ليست نزعة عرقية تقليدية كتلك التى نجدها قديما لدى الإغريق أو اليهود أو العرب، إنما هى بناء فكرى حى ومعاصر يتصل بتصوراتنا عن معنى التاريخ ومعنى الحضارة. ولقد صاغ الفيلسوف الألمانى هيجل فى فلسفته للتاريخ التعبير الأوضح عن هذه النزعة حين قال: التاريخ العالمى يسير من الشرق إلى الغرب، أوروبا هى الغاية وآسيا هى البداية.

شيوع هذه النزعة الأوروبية ليس مقترنا بالسطوة العسكرية ولا بالهيمنة الإقتصادية لأنها ببساطة عبارة عن مفهوم عن العالم وموقع الإنسان فيه. فصعود أمريكا واليابان والصين اقتصاديا لا يعد إضعافا للمركزية الأوروبية بل تكريسا لها.

من هنا تأتى أهمية نظرة المفكر الأوروبى كلود ليفى شتراوس الذى سعى إلى إبراز إسهام الثقافات الأخرى فى مسيرة الحضارة، فإذا كانت الحضارة تعنى درجة الانتصار على الوسط الجغرافى فالبدو والإسكيمويكسبون الجائزة، وإذا كانت تعنى الانسجام بين مختلف جوانب الحياة فقد استطاعت الهند والصين بلورة نسق فلسفى ودينى قادر على تقليل العواقب النفسية لعدم التوازن الديموجرافى، ويرى ليفى شتراوس أن الإسلام قدم نظرية فى التكافل بين مختلف كل أشكال الحياة الإنسانية: تقنية واقتصادية وإجتماعية وروحية لم يعثر عليها الغرب إلا مؤخرا بفضل بعض جوانب الفكر الماركسى الإثنولوجيا الحديثة. ولو اعتبرنا الحضارة نتاجا تجميعيا لجهود البشر منذ وجودهم على الأرض وأردنا أن نتعرف على الدور الذى قامت به الاكتشافات الحديثة فى هذه المسيرة وقدمنا لذلك قياسارقميا سنجد أن الزراعة تمثل 2% والتعدين 0.7% والأبجدية 0.35% فيزياء جاليليو 0.035% الداروينية 0.009%. والفترة التى تمت فيها الثورة الصناعية لا تمثل سوى نصف فى الألف من التاريخ المنقضى للبشرية.

الدفاع الذى يقدمه ليفى شتراوس عن الحضارات السابقة قد يؤدى إلى الاعتقاد بأنه يرى أن علينا ترك ثقافات الشعوب كما هى والوقوف ضد أى محاولة للتغيير أو للنقد الذاتى. ويحذرنا ليفى شتراوس من الوقوع فى هذا الفخ لأن الهدف ليس هو تدليل التراثات المحلية، فما ينبغى الحفاظ عليه هو التنوع وليس المحتوى التاريخى الذى لا يستطيع أن يبقى خارج زمن. فمن العبث إدامة حياة أنماط من العيش عفى عليها الزمان.

يدعو شتراوس إلى التسامح وقبول الاختلاف الثقافى ولكن التسامح فى نظره ليس موقفا تأمليا وإنما موقف ديناميكى يتمثل فى التنبؤ والفهم والدعم لما ينبغى أن يوجد. التنوع الثقافى فى نظر شتراوس ليس إذن رصدا لماضٍ جميل وإنما نداء من أجل المستقبل. ويشبه ليفى شتراوس الإنسان فى مواجهة التحديات بلاعب الروليت الذى يراهن على الأرقام لكى يربح.وحينما لا يكون فى العالم سوى ثقافة واحدة وتواجه البشر أزمة نكون إذن أمام لاعب واحد يراهن على رقم واحد وتصبح فرصته فى النجاح قليلة، الأمر مختلف لو كان هناك لاعبون كثيرون يراهنون على عدد أكبر من الأرقام.

البشرية تتقدم ببطء والأحداث التاريخية الكبرى التى تجذب أنظارنا هى فى نظر شتراوس مثل الألعاب النارية التى تبهر للحظة ثم لا تلبث أن تهوى فى غياهب الظلام، وقياسا على ذلك لا تصبح الألعاب التكنولوجية الحديثة ذات شأن حاسم فى تحديد الموقف الوجودى للإنسان.

محاولة ليفى شتراوس رد الاعتبار للثقافات القديمة تم تصويرها على أنها دعوة لتخلى المثقفين عن مسئولياتهم الكونية، فقد بدا أن واجبهم هو أن يتركوا الثقافات الأخرى فى حالها، وبعبارة أخرى عليهم أن يكفوا عن التنديد بغياب حقوق الإنسان أو بممارسة ختان البنات بوصفها سمات لثقافات محلية ينبغى الإبقاء عليها للحفاظ على التنوع.

هذا التصور بعيد عن رؤية ليفى شتراوس التى تميل لتحقيق العدل وعدم التسامح مع المظالم. وذلك يرجع إلى تأثره،حسب تصريحه، بكل من روسو وماركس وفرويد، حيث استقى من الأول حب الطبيعة والحياة البسيطة، ومن الثانى السعى إلى التحرر من القهر، وأخيرا يستقى من فرويد حملته على سطوة الوعى وحصار مزاعمه فى الوصاية على الثقافات. يعد ليفى شتراوس مفكرا أثيرا لدى اليونسكو لأن فكره كله عبارة عن دعوة حثيثة لجميع الثقافات للإسهام، ليس فى تمجيد ماضيها، ولكن فى إيجاد حلول لتحديات المستقبل التى تواجه البشرية.


لمزيد من مقالات د. أنور مغيث

رابط دائم: