رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تلك الأيام
سليمان القانونى وقانون الحريم

تولى سليمان القانونى (1494ـــ1566) حكم السلطنة العثمانية عام 1520 بعد وفاة والده السفاح سليم الأول، وكان عمره 26 عاما فقط ليصبح صاحب أطول فترة حكم بلغت 46 عاما.. ورغم أن دولة القراصنة الأتراك خلال سنوات حكمه بلغت درجة كبيرة من التوسع والغزو بعد أن غزا المجر والنمسا وفرنسا، وبث الرعب فى الممالك من حوله. إلا أن بلاط ملكه كان يعج بمؤامرات الجوارى والحريم، خاصة بعد أن قعد عن قيادة الجيوش بنفسه حتى يتفرغ لمتع الحريم.والخيفة الذى سمى نفسة بالقانون لانه أعاد تنظيم السلطنة عجز عن تنظيم بلاط حكمه.

ولعل قصة الجارية روكسلانة خير دليل على سيطرة الحريم والجوارى على أمور الخلافة العثمانية الفاسدة، كانت روكسلانة جارية روسية اختطفها النخاسون من وسط أهلها فى بلاد القوقاز. ومنذ البداية لم ترض بحياتها فى القصر كأى جارية، كانت تتمتع بالذكاء، والجمال وخفة الروح، ورهافة الشعور، وفوق ذلك ذات دلال وإغراء. وهام بها السلطان سليمان القانونى حباً وعندما وصل إلى الشيخوخة، أحكمت سيطرتها عليه تماما، خاصة بعد أن أنجبت له البنين والبنات وأصبحت حرة.

وبعد أن تجمعت خيوط السلطة فى يدها، أخذت تسعى لتجعل ابنها سليم الثانى وليا للعهد بدلاً من مصطفى الابن الأكبر للسلطان من زوجته «ماه دوران».

وكانت العقبة الأساسية أمام تنفيذ خطتها وجود الصدر الأعظم رئيس الوزراء إبراهيم باشا، والذى كان جنرالاً ووزيراً مقتدراً، متزوجاً من شقيقة السلطان، ويلقى كل دعم من حماته «حفصة» أم السلطان، وكانت امرأة قوية لا تفارق ابنها إلا قليلاً.

وبلغ الصدر الأعظم من القوة أنه كان نديم السلطان، يتعشيان معاً، وينامان على سريرين متجاورين. كما يذكر المؤرخ فيليب مانسيل.

لكن بعد موت حفصة أم السلطان أصبح الطريق ممهدا أمام روكسلانة للتخلص من الصدر الأعظم.

راحت تتدلل على السلطان وتعلن غضبها وضيقها من الصدر الأعظم، وعندما سألها السلطان عن سبب سخطها على الباشا؟ ردت بذكاء شديد: الآن تستفسر عن سخطى على إبراهيم باشا، سأخبرك إن شاء الله حين أنال شرف لقائك. لكن بلغ تحياتى للباشا، وأتمنى أن يقبلها!

وفهم السلطان ما وراء الرسالة، وبعدها بأيام تناول إبراهيم باشا العشاء مع السلطان كعادتهما، وقضى الليل فى غرفة مجاورة، وفى الصباح وجد جثمانه مخنوقاً خارج القصر.

وبعد أن كانوا يقولون إبراهيم باشا المقبول، أصبحوا يقولون إبراهيم باشا المقتول.

بعد ذلك تحرشت روكسلانة بغريمتها «ماه دوران» زوجة السلطان وتشابكت معها بالأيدى، وتركت غريمتها تكيل لها اللكمات، وتنزع بعض شعرها الذى يهيم به السلطان. ثم احتجبت عن السلطان، وكلما أرسل إليها، قالت: انها ليست جديرة للمثول بين يديه، فهى مجرد لحم يباع ويشترى، كما قالت غريمتها.

وبعد تمنع جاءت للسلطان على استحياء وخفر، وعيناها الجميلتان تمتلئان بالدموع، وروت له ما حدث. فجن جنون السلطان ونقل الأمير مصطفى ولى العهد بعيداً عن العاصمة انتقاما من أمه.

ولم تكتف روكسلانة بذلك وإنما اتفقت مع الصدر الأعظم الجديد رستم باشا الذى زوجته ابنتها، على القول إن الأمير مصطفى ولى العهد يطالب بتنحية والده الطاعن فى السن عن العرش. وسرعان ما تخلص سليمان القانونى من ابنه وولى عهده بقتله، لكن يظهر أن ضميره كاد يؤلمه، ولذلك أراد أن يحصل على فتوى من شيخ الإسلام تبيح له ذلك!

استدعى شيخ الإسلام أبا السعود وسأله بطريقة مخادعة كأنه يعرض عليه موضوعا لا يهمه شخصياً:

غاب تاجر ثرى عن العاصمة وعهد إلى عبده الإشراف على أعماله، ولم يكد التاجر يسافر حتى سعى العبدلسرقة أموال سيده، وتدمير تجارته، وتآمر على حياة زوجته وأولاده، فما هى العقوبة التى يستحقها هذا العبد؟

فأجاب شيخ الإسلام: انه يستحق الإعدام، وأعدم السلطان ولده، بأن استدعاه إلى خيمته وانقض عليه ثلاثة رجال قتلوه أمام السلطان الأب.

وأشعلت هذه الحادثة غضب الإنكشارية الذين كانوا يحبون الأمير مصطفى، ورفضوا أن يكون سليم الثانى ابن روكسلانة وليا للعهد وانضموا إلى أخيه أبى اليزيد. وفى هذه الأثناء توفيت روكسلانة وحزن عليها السلطان، ووفاء لذكراها سار على رأس جيشه وهو فى شيخوخته لمحاربة ابنه أبى اليزيد وهزمه عام 1559 وذبحه هو وأولاده الخمسة. وتحقق هدف روكسلانة بعد وفاتها وتولى السلطان سليم الثانى عرش السلطنة.

وأطلقوا عليه سليم السكير، وسليم الروسى نسبة إلى أمه. وقد مات سليم الثانى وهو مخمور يعاين بنايات جديدة فى حمامات الحريم عام 1574 بعد أن حكم ثمانى سنوات.

وتكتمت زوجته خبر موته واحتفظت بجثته فى صندوق من الثلج إلى أن وصل ابنها مراد الثالث إلى العاصمة، وبعد أن أعلن مراد الثالث نفسه سلطانا، أعدم خمسة من أخوته غير الأشقاء، ودفنوا مع أبيهم بموجب قانون قتل الإخوة العثمانى!

وإمعانا فى زيادة سيطرة الحريم على السلطنة العثمانية الفاسدة، فإن السلطان مراد الثالث نقل غرفة نومه وجناحه الخاص من عالم الذكور إلى عالم النساء بالحريم.

وأصبحت عادة السلطان مراد أن ينام فى الحريم، وبعد أن يتناول افطاره يعود إلى عالم الذكور، فيقابل الصدر الأعظم وأغا الإنكشارية والباشوات وكبار الجنرالات.

وكان يتعشى فى جناح الحريم فالوصال هناك كان يمتعه إلى أقصى حد، طبقا لتعبير أحد الدبلوماسيين الأجانب.

ومنذ هذه اللحظة بدأ عصر الحريم فى خلافة الفساد العثمانية، وكانت بدايته روكسلانة الروسية. هذه هى الخلافة العثمانية التى يريد أردوغان أن يعود إليها، ساحباً خلفه تيار الإسلام السياسى كالمكفوفين بلا وعى ولا فكر أو ضمير؟ ومتى كان للمرتزقة والقتلة ضمير؟


لمزيد من مقالات محسن عبدالعزيز

رابط دائم: