رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الرمح الثلاثى

لماذا نستعد للتدخل العسكرى فى ليبيا ولا نفعل ذلك فى إثيوبيا، رغم أن قضية المياه وسد النهضة هى مسألة حياة أو موت بالنسبة لنا، ألا تستحق أن تكون إثيويبا هى الأولوية وليس ليبيا ؟!

سؤال خبيث يحاول أهل الشر من أنصار الجماعة الإرهابية حلفاء أردوغان نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعى ظنا منهم أنهم سينجحون بذلك فى تشكيك الرأى العام المصرى بأولويات الأمن القومى التى تحددها مؤسسات الدولة المعنية، وتكوين رأى عام ضاغط لمنع المساس بأطماع حليفهم أردوغان فى ليبيا، لكن مسعاهم خاب ويخيب كل يوم لأنها حيلة مكشوفة، فأولويات الأمن القومى المصرى لا يحددها جنرالات السوشيال ميديا ولكن رؤية أجهزة الدولة المعنية بما تمتلكه من معلومات وحقائق قد تكون غير معلنة، بالإضافة إلى أن محددات الأمن القومى كل لا يتجزأ، وأزمتا ليبيا وإثيوبيا الحاليتان أصدق مثال على ذلك، فالعدو الحقيقى فى الحالتين واحد فى الماضى والحاضر.

وإذا كانت مطامع أردوغان فى الهيمنة على الشرق الأوسط وثرواته عبر استخدام الجماعات الدينية المتطرفة هى المحرك الأساسى لمخططاته الاستعمارية فى سوريا والعراق وليبيا وغيرها واستقطابه للجماعات الإرهابية، فإن المطامع التركية فى العالم العربى بشكل عام ومصر خاصة قديمة.

ففى عام 1959 عقدت كل من تركيا وإسرائيل وإيران وإثيوبيا اتفاقية سرية عرفت باسم (الرمح الثلاثى) أو التحالف المحيطى، فقد ظلت فكرة تحالف إسرائيل مع الشعوب غير العربية التى تحيط بالعالم العربى تراود المسئولين الصهاينة منذ تأسيس الدولة العبرية، لاستخدامها فى حصار العالم العربى وتحقيق المصالح الإسرائيلية، واقترح رؤوفين شيلواح أول رئيس للمخابرات الإسرائيلية (الموساد) العمل من أجل إقامة تحالف مع الشعوب الشرق أوسطية المعادية للعرب، خاصة أن هذه الشعوب يفوق عددها مجتمعة عدد السكان العرب.

وطالب شيلواح عقب تعيينه مستشارا لوزير الخارجية الإسرائيلى عام 1957 بالتحالف مع تركيا فى هذا السياق، باعتبار أنها أكثر الدول قربا من إسرائيل، وأول دولة تضم أغلبية إسلامية تعترف بالدولة العبرية عام 1948، مما أسس لعلاقات تاريخية قوية بين البلدين، ومع قيام ثورة عبد الكريم قاسم فى العراق عام 1958 وانسحاب العراق من حلف بغداد أدركت إسرائيل أن تركيا الآن مستعدة لهذا التحالف بعد سقوط حلف بغداد الذى كانت عضوا به، وناقش المفكر الصهيونى باروخ أوزيل مع شيلواح فكرة إقامة تحالف إسرائيلى مع كل من تركيا المتاخمة لسوريا والعراق من الشمال، وإيران المتاخمة للعراق من الشرق، وإثيوبيا المتحكمة فى منابع النيل في الجنوب، باعتبار أن ذلك من شأنه فرض حصار على الدول العربية الكبرى يحيط بها ويمنعها من القيام بأى أعمال عسكرية فى مواجهة إسرائيل، ولذلك أطلق أوزيل عليه اسم التحالف المحيطى، أو الرمح الثلاثى الذى تكون أطرافه المدببة الثلاثة هي أنقرة وأديس أبابا وطهران، فى مواجهة مصر والعراق وسوريا.

ووافقت أنقرة على الفور على هذا التحالف وتحمس له وقتها عدنان مندريس رئيس الوزراء التركى، وطلب ديفيد بن جوريون رئيس الوزراء الإسرائيلى من الرئيس الامريكى ايزنهاور عام 1958دعم هذا الحلف لمواجهة تصاعد شعبية جمال عبد الناصر وتغلغل النفوذ السوفيتى فى الشرق الأوسط، وتحمست الإدارة الامريكية وقام عدد من مسئوليها بزيارات مكثفة إلى تركيا واثيوبيا وإيران لحثهم على التحالف مع إسرائيل، مع وعود ضخمة بدعم مادى وسياسى كبير، وهو ما أدى إلى تدشين حلف الرمح الثلاثى رسميا فى تركيا بمشاركة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

كان هذا التحالف هو البداية التى جمعت تركيا مع اثيوبيا واسرائيل فى سلة واحدة لمحاصرة مصر، وما يحدث الآن ما هو إلا أحد أنشطة هذا التحالف لضرب الأمن القومى المصرى، فحفيد العثمانيين رجب طيب أردوغان كان يعلم جيدا وهو يحاول فرض مشروعه للهيمنة على العرب أن العقبة الأساسية فى وجه هذا المشروع ستكون مصر، وتأكد له ذلك عندما نجح الشعب المصرى فى الإطاحة بحكم جماعة الإخوان الإرهابية فى ثورة 30 يونيو 2013، وهى الجماعة التى احتضنها اردوغان لتكون حصان طروادة الذى يستخدمه فى السيطرة على الشعوب العربية وإقامة الامبراطورية التى يحلم بها، وأطاحت ثورة المصريين بهذه الأحلام وألقت بها فى مزبلة التاريخ، ولذلك أصبح لدى أردوغان ثأر كبير مع الشعب المصرى، وأخرج كل ما فى جعبته من مخططات شريرة لتهديد الأمن القومى المصرى، ولم يكتف بالمرتزقة والميليشيات الإرهابية التى زج بها مع قوات تركية فى ليبيا للسيطرة على الثروات النفطية وإقامة قواعد عسكرية على أرض عربية وتوجيه تهديد مباشر لأمن مصر، وإنما يحاول استغلال تحالفه القديم مع اثيوبيا ايضا للإضرار بمصر التى اصبحت عقدة دائمة لديه.

وقد استعد لذلك منذ فترة بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الحكومة الاثيوبية فى مارس 2013 وصادق عليها البرلمان الاثيوبى عام 2015، وتضمنت التعاون فى مجال الصناعات الدفاعية والتسليح والتدريب العسكرى للجيش والشرطة، والأهم تعهد تركيا بحماية سد النهضة بواسطة أجهزة رادارات تركية للإنذار المبكر، ونظام صاروخى متطور صناعة تركية إسرائيلية مشتركة.

وهنا لابد من الإشارة إلى الدور المهم الذى يلعبه فى هذا السياق الرئيس الإثيوبى السابق مولاتى توشومى الذى كان سفيرا لبلاده فى تركيا لمدة 8 سنوات ارتبط خلالها بعلاقات وثيقة مع كبار المسئولين الأتراك، لدرجة أنه يعتبر تركيا هى بلده الثانى حسب تعبيره، وقد زار أنقرة الأسبوع الماضى كمبعوث لرئيس الوزراء الاثيوبى آبى أحمد وبحث مع وزير الخارجية التركى مولود تشاويش أوغلو موضوع سد النهضة، ويصبح اللعب (على المكشوف) كما يقولون.


لمزيد من مقالات فتحـى محمـود

رابط دائم: