رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وحيد

عندما تشعر بأنك وحيد داخل بيتك.. وأنك لم تر أحدا خلال الأشهر الخمسة الأخيرة بسبب فيروس كورونا الذى اجتاح العالم فجأة وغير شكل الحياة فى الكرة الأرضية.. فربما يفيدك أن تهمس لنفسك بأنك سعيد الحظ.. لأنك وحيد فى بيتك ولست وحيد فى القطب الجنوبي.. وهو المكان الذى عاش فيه الأميرال الأمريكى « ريتشارد بيرد » خمسة أشهر لا يرى أحدا ولا أحد يراه.. بعد أن فقد اتجاهه خلال رحلة استكشافية.. هذه المحنة المريرة فى تلك البقعة الموحشة من العالم أودعها كتابا سماه «وحيد» قال فيه: «شعرت خلال هذه الفترة العصيبة أننى سأفقد عقلي.. كنت الإنسان الوحيد الذى يعيش فيما وراء خط العرض الثامن والأربعين.. لم أكن أسمع سوى صوت الرياح المرعب.. مع هبوط الليل كنت أحس كما لو كانت عشرة دببة تستعد للهجوم علي.. أدركت أننى هالك لا محالة إذا لم أقهر الرعب الذى يتملكني.. تذكرت مقولة لطبيب فى علم النفس.. إن المخاوف لا تعرف عناوين المتفائلين.. والتعاسة لا تقترب من الذين ينكرون بطريقة إيجابية.. تيقنت من أنه يلزمنى عمل أشغل به نفسى وإلا قضى أمري.. ووضعت خطة عمل يومية.. ساعة لإزالة الثلج.. وساعة لإصلاح الزحافة وساعتين لإنشاء نفق.. وهكذا استطاع الأميرال «بيرد» مواجهة تلك التجربة المريرة ونسيان مخاوفه وعزلته ووحدته حتى تم إنقاذه بعد مائة وخمسين يوما.. فإذا كنت تعانى الضيق وتشعر « بالخنقة » لأنك تمكث وحيدا فى بيتك خوفا من الكورونا.. فتذكر أنك لا تعيش فى درجات حرارة أقل من الخمسين.. ولا تعيش فى مكان مجهول وموحش.. ولا تقضى الليل فى ظلام دامس.. لديك جهاز تليفزيون من خلاله تستطيع رؤية أفلام ومسرحيات وبرامج.. ولديك هاتف محمول من خلاله تستطيع التواصل مع الأصدقاء بل ورؤيتهم.. ولا تنس أن تضع كما فعل الأميرال « بيرد » خطة عمل يومية.. ساعتين لترتيب أشيائك المبعثرة فى كل مكان فى المنزل.. وساعتين للتخلص من الكراكيب التى تملأ دواليبك.. وساعتين إذا كنت من هواة القراءة لتصفح الكتب التى اشتريتها منذ سنوات ولم تفتحها.. ونصف الساعة لممارسة بعض التمرينات الرياضية.. وهكذا سينتهى اليوم دون أن تنهار من الملل أو تئن من الرتابة.. وعليك أن تؤمن بمقولة إن الإنسان سيصبح وحيدا عندما يقرر ذلك.. ويصبح تعيسا عندما يظل ينظر بأسى إلى الباب المغلق فلا يرى الأبواب الأخرى التى تفتح أمامه.. فالوحدة لا علاقة لها بوجود بشر يجلسون معك.. الوحدة شعور حتى لو حولك عشرات.. وللشاعر الكبير عبد المعطى حجازى قصيدة يقول فيها: كل هذا الزحام ولا أحد !.


لمزيد من مقالات عايدة رزق

رابط دائم: