رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى عشق مصر وجيشها

أثارت المناورة الأخيرة للجيش المصري حسم2020 مشاعر تجاوزت بكثير رسالتها المباشرة الواضحة وهي أن ما حددته القيادة من مواقف سياسية وإستراتيجية تعززه القدرة على الفعل، وقد كان هذا الفعل رهيباً لكل من شاهد التقرير الحي المصور عنه، فقد كنا إزاء عملية شاملة بكل الأسلحة لم تترك مجالاً لشك في أن خطة الدفاع عن الأمن المصري متحسبة لكل الاحتمالات براً وبحراً وجواً، وأنه إذا كانت الرشادة قد حكمت خطواته حتى الآن في مواجهة غطرسة الآخرين فإن هذه الرشادة نفسها هي التي ستحتم عليه أن ينقل فعاليات حسم2020 إلى أرض الواقع إذا دعت الضرورة، ولو كنت من حماة الإرهاب الذين صورت لهم عربدتهم في أراضي سوريا والعراق باستغلال الظروف الصعبة التي يمر بها البلدان العزيزان أنهم باتوا أصحاب الكلمة العليا في المنطقة لفهمت الرسالة وتصرفت بموجبها وهي أنهم سيواجهون موقفاً جد مختلف لو فكروا في نقل عربدتهم إلى الأرض الليبية، وبهذا يكون السيناريو المرجح للمستقبل القريب هو الانصياع للمطلب المصري الشديد الرشادة الذي تضمنه إعلان القاهرة الأخير، أي وقف إطلاق النار وتجميد القتال عند خطوطه الحالية والسير في جهود التوصل إلى حل سياسي ليبي، غير أن إحدى معضلات التنبؤ في التحليل السياسي هي أنه يفترض رشادة صانعي القرار الذين من البديهي أنهم يسعون إلى تحقيق مصالحهم بأعلى المكاسب وأقل الخسائر، أما إذا اتسم سلوكهم بغير ذلك فكل الاحتمالات واردة، فأنت لا تستطيع أن تتنبأ بسلوك مجنون ولذلك تتحسب لأن يقدم على أي فعل، وأنت تستطيع التنبؤ بسلوك لاعب الشطرنج الماهر، لأنه سيقوم بأفضل لعبة أما اللاعب الأحمق فسوف ينخرط في سلسلة من التحركات الخاطئة التي لا يمكن التنبؤ بها، ولذلك لابد لنا من توقع كل من سيناريو الرشادة والذي ينصاع الغزاة وأتباعهم بموجبه لمقتضيات الردع المصري وسيناريو عدم الرشادة الذي قد يفضي بهم إلى تجربة صدقية هذا الردع، وخير أجناد الأرض جاهزون لكل الاحتمالات بإذن الله دون أدنى غرور، فعقيدتهم القتالية تدفعهم إلى حماية الأمن المصري والعربي مهما تكن التضحيات، وثقتهم بأنفسهم راسخة تضرب بجذورها في تاريخ العسكرية المصرية.

   لن أذهب بعيداً في التاريخ المجيد للجيش المصري ولكني أكتفي بالخبرة المعاصرة في النصف الثاني من القرن العشرين الذي واجهت القوات المسلحة المصرية فيه أهوالاً بمعنى الكلمة، فسطرت دائماً بطولات خارقة في أصعب الأوقات، وحتى عندما كبت حيناً لظروف لا ذنب لها فيها فإنها سرعان ما أعادت الوقوف على قدميها وبذلت الجهود المضنية لإعادة البناء وتلافي أوجه القصور، ويجب أن تتذكر الأجيال الشابة أن هذه القوات قد واجهت مؤامرة من قوتين كبريين تواطأتا مع إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر1956 قبل أن يستوعب جيش مصر أسلحته الحديثة التي زُود بها في السنة السابقة على العدوان، ومع ذلك استطاع تثبيت قوات الغزو الإسرائيلي التي بدأت المؤامرة وأن يشن هجمات جوية وبحرية في العمق الإسرائيلي حتى كادت القيادة الإسرائيلية تسحب قواتها عندما تأخر التدخل البريطاني والفرنسي، وعندما بدأ التدخل واتخذت القيادة المصرية قراراً استراتيجياً بالانسحاب للتفرغ لمواجهة قوات الغزو البريطانية الفرنسية لم يحدث أن سقط موقع مصري إلا بعد انسحاب القوات المصرية منه، ونفذ الانسحاب وفق خطة منظمة لدرجة أن القوات الإسرائيلية لم تكن تدري بإخلاء المواقع المصرية إلا عندما يكشف ضوء النهار انسحابها، أما معركة شرم الشيخ فهي أيقونة المعارك آنذاك حيث استأذن العقيد رؤوف محفوظ قائد الموقع في عدم تنفيذ قرار الانسحاب والقتال إلى النهاية وتصدى بالكتيبة 21مشاة وكتيبة حرس وطني للقوات الإسرائيلية خمسة أيام كاملة، وهل هناك ما هو أمر من هزيمة1967 التي لم يكن لجيش مصر ذنب فيها؟ ومع ذلك فإن القوات المصرية بمجرد إصلاح الخلل الجسيم الذي تسبب في الهزيمة سرعان ما وقفت على قدميها وبذلت جهوداً مضنية لإعادة البناء ورفع كفاءتها القتالية وانخرطت في قتال العدو بعد أيام من العدوان فصدته عن رأس العش وقصفت جواً مواقعه في سيناء وأغرقت أكبر قطعه البحرية أمام شواطئ بور سعيد وهاجمت ضفادعها البحرية أهم ميناء عسكري له في إيلات غير مرة وأسقطت طائراته كالعصافير في الأسبوع الشهير لتساقط طائرات الفانتوم في حرب للاستنزاف يعدها المحللون العسكريون حرباً رابعة في حد ذاتها وصولاً إلى معجزة أكتوبر1973 التي يعرفها الجيل الحالي حق المعرفة، ويخوض الجيش المصري منذ ضربت الفوضى أرجاء الوطن العربي بعد أن صال الإرهاب فيه وجال عقب الربيع العربي معركته الضارية ضد قوى الإرهاب داخل مصر وخارجها، ولا يتردد في هذه المعركة في تقديم أغلى التضحيات بدليل مئات الشهداء من أبنائه الذين فدوا مصر وأمنها بأرواحهم.

   لم تتداع هذه الخواطر في ذاكرتي فحسب عندما شاهدت التقرير المصور الحي عن أعمال المناورة حسم2020 وإنما تداعت بعدها خواطر عن آراء عجيبة كنت أسمعها أحياناً من البعض تعكس قدراً  يعتد به من الغفلة الإستراتيجية كأن يتساءل بعضهم عن جدوى ما يسمونه تكديس السلاح على حساب التنمية كما يقولون، وكأن مصر لم تكن طيلة تاريخها مطمعاً لطالبي الهيمنة والنفوذ، وكأن ثمار التنمية يمكن صونها دون ذراع عسكرية قوية تحميها، أو يطالب بعض آخر بالتقوقع على الداخل للتفرغ لإنجاز التنمية وبناء التقدم، وكأن تاريخ مصر لا يشي بأن الآخرين يدركون تماماً قيمتها وثقلها الإستراتيجي ومن ثم لا يمكن أن يتركوها لحالها حتى تتم بناء قوتها، أو لا يرى فريق ثالث فيما يحدث على الأرض الليبية تهديداً لأمن مصر رغم كل ما جرى، فاللهم قنا شر الغفلة وانصر جند مصر.


لمزيد من مقالات د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: