رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مغزى تقويض واشنطن لمؤسسات دولية

أصدر ترامب الشهر الماضى أمرا تنفيذيا يتيح فرض عقوبات على مسئولى المحكمة الجنائية الدولية الذين يشاركون فى التحقيقات التى أطلقتها المحكمة فى مارس الماضى بشأن انتهاكات قوات أمريكية فى أفغانستان، وهو ما يتماشىمع موقفها منذ إنشاء المحكمة ،ومتسقا مع ذلك الجانب المتعالى والإمبراطورى فى السياسة الأمريكية تاريخيا والذى يعطى لنفسه حقوقا فوق المساءلة القانونية، ورغم رسوخ هذه المفاهيم فإنه يجب النظر إلى الحالة الأمريكية الراهنة بنظرة شاملة خاصة منذ تولى ترامب .

ولكى نتفهم أهمية هذه النظرة يلزم التوقف عند جوانب أخرى فى سياسات واشنطن ،حتى لو كانت كل حالة لها ظروفها المختلفة، فمنذ فترة تصاعدت أزمة واشنطن مع منظمة الصحة العالمية على خلفية اتهامات للمنظمة بإساءة معالجة أزمة كورونا، فضلا عن أهم جوانب الاتهامات الأمريكية متمثلة فى التستر على مسئولية الصين، ومشكلة هذا الاتهام أن مصادر أمريكية ككبير مستشارى ترامب للشئون الصحية، وكذا تسريب عن المخابرات الأمريكية نفى المسئولية عن بكين، ولكن كل هذا لم يمنع ترامب من تجميد مساهمات بلاده فى المنظمة التى قد تكون بالفعل بحاجة إلى مراجعة جادة فى أدائها واستراتيجيتها، والموقف الأوروبى المتضامن مؤخرا مع توجه المراجعة يعزز الموقف الأمريكى ،ولكن فى الحقيقة أن هذا ليس بيت القصيد, فما هو مهم لترامب هو إيجاد شماعة ليعلق عليها قصور السياسات الصحية فى إدارته وقصور إدارته للأزمة عموما .

قبل ذلك كان ترامب قد جمد عضوية ومساهمة بلاده فى مؤسستين دوليتين مهمتين ،وهما اليونسكو, أى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة, والثانية الأونروا لإغاثة الشعب الفلسطينى ولنفس الأسباب المتعلقة بالانحياز الأمريكى المبالغ فيه لإسرائيل ،فقد دأبت منذ سنوات على توجيه الاتهامات لليونسكو بالانحياز ضد إسرائيل، أو بعبارة أكثر دقة تعاقب المنظمة على القيام بمهمتها فى الدفاع عن التراث المسيحى والإسلامى فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، أما بالنسبة للأونروا فهى تريد محاصرة الشعب الفلسطينى وإذلاله كى يقبل بخطتها لتصفية قضيته وحقوقه، ورغم أنها كانت تلعب دورا مهما فى ميزانية هذه المنظمة تاريخيا، لكى تجبر هذا الشعب على الرضوخ. واذا عدنا لليونسكو الملاحظ هنا أنه سبق لواشنطن تجميد عضويتها لنفس الأسباب فى إدارات جمهورية سابقة وأعادها الرئيس السابق أوباما فى خطوة أثارت إسرائيل، ومن ثم ما يفعله ترامب هو إعادة موقف أمريكى سابق.

وربما يكون من المهم مناقشة مرفق دولى آخر وهو اتفاقية التغير المناخي, فقد خرج ترامب أيضا من اتفاقية باريس للتغير المناخى ،فى وسط ضجة دولية وداخلية ورفض ديمقراطى للتراجع عن الخطوة الكبيرة التى أقدم عليها سلفه أوباما، وطبعا فى ظل رفض دولى وأوروبى بشكل خاص تجاه هذه الخطوة الأمريكية ،حيث سيعد تراجع واشنطن عن التزاماتها فى هذه الاتفاقية بمثابة صفعة كبيرة وتشجيع للآخرين الأكثر تلويثا للبيئة كالصين والهند، وهنا أيضا قد يكون التعليق أن ما فعله ترامب هو عودة لسياسة امريكية أكثر رسوخا وكانت المسئولة تاريخيا عن تعويق الوصول الى معالجة جادة لأزمة تغير المناخ. وفى الواقع أن هذا صحيح فما فعله ترامب هو العودة لموقف امريكى سابق يتصف بقدر من الديماجوجية عندما رفض تقرير علماء بلاده الذين كلفهم بدراسة مدى صحة وجود مبررات لاتفاقية التغير المناخى وأهميتها للبشرية ومستقبل الكرة الأرضية ولكنه بالنهاية يعود لموقف تيار قوى فى السياسة الأمريكية وكان مسيطرا تجاه هذه القضية لعقود سابقة حتى جاء أوباما ليحرك هذا الركود .

المغزى الأول لهذه المواقف الأمريكية أنها تستقيم مع رؤى التيار الأمريكى المحافظ الذى دفع بأشد نماذجه مع تولى ترامب الحكم، بغية استعادة كل التنازلات التى قدمتها واشنطن بعهد أوباما نحو الاقتراب من تطورات التنظيم والحوكمة الدولية مرحلة العولمة واتساقا مع تقاليد للولايات المتحدة فى المعايير المزدوجة، وأن تقبل من التنظيم الدولى ما يتفق ومصالحها وتعارض ما يخالفها حتى لو كانت تكلفة هذا محدودة نسبيا، ولكن المغزى الثانى الذى قد يكرسه احتمال نجاح ترامب فى الاستمرار فى الحكم رغم اهتزاز فرصه حاليا، هو ان تراكم هذه السياسات فى ظل حالة السيولة الدولية والتحولات البطيئة قد يسهم أكثر فى تقويض كل المنظومة الدولية وأسسها وعلى رأسها الأمم المتحدة خاصة مع تواصل عجزها عن التأثير الفعال فى الأزمات والصراعات الدولية، وشواهد عجز المنظمات الدولية المختلفة عن الفعالية وترهل بيروقراطيات هذه المؤسسات وتراجع تمويلها، كل هذا قد يكون إرهاصات للحاجة الى ترتيبات دولية جديدة تتناسب وهذه التحولات.


لمزيد من مقالات سفير د. محمد بدر الدين زايد

رابط دائم: