رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحرية مجرد تمثال فى أمريكا البيضاء

أحمد عزمى

تاريخ الولايات المتحدة مع تجارة الرقيق، بدأ في أغسطس عام 1819 ولا يذكر متي كان هذا اليوم الأسود تحديدا، ففي هذا التاريخ رست سفينة بريطانية، على أحد الشواطئ، وكانت تقل 20 عبدا كانوا على متن سفينة برتغالية، كانت تبحر في اتجاه المكسيك، قبل اعتراض طريقها من قبل السفينة البريطانية «وايت ليون» والاستيلاء على ما بها من بضائع بالإضافة إلى 20 عبدا، وبعد أيام رست «وايت ليون» بميناء بولاية «فرجينيا» وقامت ببيع العشرين عبدا، في مقابل الحصول على مواد غذائية، ليكتب البريطانيون أول سطر في تاريخ العبودية.

..........................

في القرن الثامن عشر انتشرت تجارة العبيد في الولايات الأمريكية، ومع بداية القرن التاسع عشر تركز في الولايات الجنوبية، التي تعتمد على زراعة التبغ والقطن والسكر، وما زاد الأمر حدة، هو اختراع ماكينة حلج القطن، التي جعلت تجارة القطن أكثر ربحا عن غيرها من أعمال، الأمر الذي جعل أصحاب مزارع القطن يسعون إلى استقطاب الرقيق، بصورة أكبر من السابق.

حدث ذلك في وقت كانت الولايات الشمالية تندد فيه بالعبودية، ما دفع الكونجرس الأمريكي إلى حظر تجارة العبيد من خارج البلاد، وبدأ تحرير العبيد في الولايات الشمالية، بتحويلهم إلى خدم بالمديونية، حتى يصبح العبد تدريجيا مواطنا أمريكيا، يتمتع بكافة الحقوق الإنسانية، ولم يكن الأمر أفضل كثيرا، فقد اقترحت "منظمة الاستعمار الأمريكية" آنذاك عودة الرقيق من ذوي الأصول الإفريقية إلى القارة الافريقية، فهذا يجعلهم ينالون المزيد من الحرية والمساواة.

بدأت الحرب الأهلية الأمريكية في العام 1861 بعد ازدياد حدة التوتر بين الولايات الشمالية الصناعية، المناهضة لتجارة العبيد، والولايات الجنوبية الزراعية التي تعتمد علي العبيد بصورة أساسية، لما يوفر لهم ذلك من أيد عاملة رخيصة التكلفة، وازدادت حدة الصراع، بعد تولي ابراهام لينكولن رئاسة الولايات المتحدة، خاصة أنه عرف بتبنيه قضية تحرير العبيد، منذ أن كان عضوا بالكونجرس.

قامت ولاية كارولينا بإعلان استقلالها، ثم تلتها ست ولايات أخرى، وتكون تحالف جديد، عرف باسم الولايات المتحدة الكونفدرالية، وتم وضع دستور مؤقت للاتحاد، ووقع الاختيار على عاصمة جديدة للبلاد، لم يحظ الاتحاد الكونفدرالي الجديد باعتراف دولي، وفي 5 مارس 1865 أثناء تأدية لينكولن اليمين، ندد بعدم دستورية انفصال الولايات الجنوبية.

فيما بعد أرسلت الولايات الجنوبية طلبا لعقد معاهدة سلام مع الشمال، الأمر الذي قوبل بالرفض، لعدم شرعية الحكومة الجنوبية، لتندلع شرارة الحرب الأهلية الأمريكية، الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة، وقد امتدت 4 سنوات بين عامي 1861 حتى إعلان الولايات الجنوبية استسلامها عام 1865 بعد تلقيها خسائر فادحة، وتنتهي الحرب باعتقال الرئيس الجنوبي في 15 مايو 1865 وبانتهاء الحرب الأهلية انتهى عهد العبودية في الولايات المتحدة، او هكذا ظن الجميع.

واقعة التماثيل

«حياة السود مهمة» حركة تفرعت عن نهر المظاهرات الكبير، الرافض للعنصرية ضد الملونين والسود، وقامت بتحطيم عدد من التماثيل، على رأسها تمثال الرحالة والمغامر كريستوفر كولومبس، مكتشف العالم الجديد، وأزيل تمثال له، يبلغ طوله ثلاثة أمتار، وتعرضت تماثيل أخرى له للتخريب، فكثير من السكان الأصليين يعترضون على تكريمه، قائلين إن اكتشافه للأمريكتين أدى إلى إبادة أجدادهم.

حملة إزالة التماثيل طالت زعماء أمريكيين، كانوا مؤيدين لتجارة الرقيق، وقد هزموا في الحرب الأهلية، فهناك من يرى أن تلك التماثيل تسيء لضحايا العنصرية، حتى إن أحفاد بعض هؤلاء طالبوا بإزالة تماثيل المؤيدين لتجارة الرقيق، وقال بعضهم: «لا نشعر بالعار تجاه جدنا، لكننا نشعر بالعار، حين يستفيد منه القوميون البيض، بينما يتألم أصدقاؤنا وأفراد عائلتنا السود، نشعر بالعار من التمثال».

كان تنظيم القوميين البيض والنازيين الجدد، قد قاد مظاهرة ضد مناهضي العنصرية، وصلت إلى ذروتها بدهس سائق لتجمع لهم، ما أدى إلى إصابة العشرات ومقتل سيدة، وذلك احتجاجا على إزالة تمثال، لجنرال حارب في صفوف المؤيدين للرق، خلال الحرب الأهلية الأمريكية.

طال التخريب تماثيل رموز الكونفدرالية، وسط تزايد الضغوط على السلطات، لإزالة تلك التماثيل المرتبطة بحقبة العبودية، هذه التماثيل لرموز من الولايات الجنوبية، التي قاتلت خلال الحرب الأهلية، من أجل استمرار العبودية، واتخذت مدن ومنظمات عدة خطوات لإزالة تلك التماثيل، التي كثيرا ما أثارت الجدل بسبب ارتباطها بالعنصرية.

على خلفية الحرب الأهلية الأمريكية، برز اسم «هارييت بيتشر ستو» وهي كاتبة أمريكية اشتهرت بكتاباتها الرافضة للعبودية، وقد ولدت سنة 1811 وتوفيت سنة 1896 وكتبت عشر روايات، أشهرها على الإطلاق روايتها الأولى «كوخ العم توم» التي صدرت عام 1852، وناقشت فيها قضية الرق في الولايات المتحدة، وصورت حياة الزنوج الأمريكيين قبل الحرب الأهلية، واعتبر البعض هذه الرواية الشرارة الأولى لتحرير العبيد، حيث استقبل الرئيس الأمريكي إبراهام لينكولن مؤلفة الرواية، وقيل إنها: «السيدة الصغيرة التي سببت هذه الحرب الكبيرة».

تغيير التاريخ

رفض الرئيس الأمريكي ترامب دعوات لتغيير أسماء قواعد عسكرية، أطلق عليها أسماء قادة من الكونفدرالية، قائلا إنهم جزء من الإرث الأمريكي، وقال في تغريدة: «لقد دربت الولايات المتحدة، ونشرت هؤلاء الأبطال في تلك البقاع، وكسبوا حربين عالميتين، لذلك لن تبحث إدارتي، أو تعيد النظر في بقاء هذه التماثيل والمنشآت العسكرية» وكتب: «من المحزن أن نرى تاريخ وثقافة بلدنا العظيم، ينتهك بإزالة تماثيلنا ومعالمنا الجميلة، لا يمكن تغيير التاريخ، لكن يمكن التعلم منه».

ووقع الرئيس الأمريكي أمرا رئاسيا لحماية النصب التذكارية والتماثيل، وينص على أن تلاحق الحكومة الاتحادية قضائيا كل من يلحق ضررا أو يشوه نصبا تذكاريا أو تمثالا، كما أمر بحجب الدعم الاتحادي عن الولايات، التي تخفق في حماية تلك التماثيل والنصب.

بانتهاء الحرب الأهلية، حصل الأمريكيون من أصول إفريقية علي حريتهم، وأصبحوا مواطنين، لهم حق التعليم وحرية ممارسة الشعائر الدينية، لكن هذا لم ينه الاضطهاد والقوانين التي تم إطلاقها على أساس عرقي، حيث كان غير مسموح للسود بالجلوس في المطاعم، أو السينما المخصصة للبيض، ولعل أبرز القوانين عنصرية كان القانون الذي يقضي بأن على السود عند الصعود إلى حافلة أن يقوموا بشراء التذكرة من الباب الأمامي، وأن يصعدوا للجلوس من الباب الخلفي، وأن يجلسوا في مقاعد مخصصة لهم، ومن حق السائق أن يأمر الراكب الأسود بأن يترك مقعده، إذا كان هناك راكب أبيض يريد الجلوس. في الأول من ديسمبر عام 1955، استقلت السيدة الأمريكية ذات الأصول الإفريقية، روزا باركس (1913 – 2005) الحافلة كعادتها، في طريق عودتها من العمل، لتجلس على أحد الكراسي، قبل أن يصعد راكب أبيض، ويأمرها بترك الكرسي له، عملا بقانون ألاباما، الذي ينص على أنه في حال امتلاء كراسي الحافلة بالركاب، يترك صاحب البشرة السمراء كرسيه للراكب الأبيض، ما رأته روزا تصرفا عنصريا، لذا لم تستجب لنداءات الركاب وسائق الحافلة، لتدفع الثمن بإيداعها في السجن بتهمة العصيان.

جاء رد الفعل سريعا من جانب المناهضين للعنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قاطع الآلاف حافلات النقل، واعتصم الحقوقيون، وفي مقدمتهم مارتن لوثر كينج، حتى أفرجت السلطات عن روزا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تغيرت القوانين، وألغت المحكمة الدستورية الأمريكية، مبدأ التفرقة السائد في وسائل النقل العامة، في نهاية عام 1956، أى بعد مرور سنة على حادثة روزا.

أثناء مسيرة حاشدة في الشوارع عبر مارتن لوثر كينج الزعيم الأمريكي المناهض للعنصرية، عن رغبته في رؤية مستقبل يتعايش فيه الأسود والأبيض بحرية، ويعتبر اليوم الذي ألقى فيه خطابه المعروف بـ «لدى حلم» عند النصب التذكاري لإبراهام لينكولن، من اللحظات الفاصلة في تاريخ حركة العصيان المدني، حيث خطب في 250 ألفا من مناصريه، وهذا الخطاب واحد من أكثر الخطابات بلاغة في تاريخ الغرب .

كان كينج يخضع بشكل مستمر لمضايقات الشرطة، برغم أن نضاله ضد التمييز العنصري، اتخذ طابعا سلميا، وانتهت حياته بشكل مأساوي في الرابع من إبريل عام 1968 وعمره 39 عاما، اغتيل عندما كان في شرفة فندق، في إحدى الولايات الأمريكية، ولم يكن يطالب لأبناء جلدته من الأفارقة فقط بالحرية والمساواة، فقد دافع عن المهمشين والفقراء، وعارض الحرب التي كانت تشنها أمريكا ضد فيتنام.

عبارة «لدي حلم» كررها كينج ثماني مرات في خطابه، عندما كان يرسم صورة لأمريكا، تؤمن بالمساواة والحرية، ومن ضمن ما قاله: «أنا أقول اليوم لكم يا أصدقائي، إنه على الرغم من الصعوبات، التي نواجهها، والتي سنواجهها في الأيام المقبلة، لا يزال لدي حلم».

«تمثال الحرية» واحد من أشهر المعالم السياحية في أمريكا، كان من المفترض أن يرتفع في مدخل قناة السويس بمناسبة افتتاحها، لكن فرنسا أهدته إلى أمريكا عام 1886 للاحتفال بمئوية إعلان الاستقلال عام 1776 وتم حفر التاريخ على الشعلة.

كانت الهدية الفرنسية تهدف للاحتفال بإلغاء أمريكا للرق، ولا يلاحظ الكثيرون قدم سيدة الحرية المكبلة بالأغلال، التي تحاول رفع قدمها، للتخلص من القهر، وعلى الرغم من المعنى الإيجابي للتمثال، إلا أنه تم استخدامه على يد الأمريكيين، من أصل إفريقي، كرمز للعبودية وازدواجية المعايير، التي تنادي بالحرية، وفي الوقت نفسه تمارس التمييز العنصرى.

كان التمثال يفتح ذراعيه للأبيض القادم من أوروبا، وينير له الطريق بالشعلة الشهيرة، ويغمض عينيه، ويدير ظهره لقوافل العبيد القادمة من الشرق، وكأنه تواطأ مع السادة البيض ضد معنى الحرية الحقيقي، ففي نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة، لا يزال السود يصرخون، طلبا للمساواة والحرية، في اليوم الذى يحتفل فيه العالم بذكرى نهاية الرق وتحرير العبيد!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق