رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مستقبل الحرب

كلما اعتقد الإنسان أنه يمضى قدما فى مسار الترقى الحضارى تأتى الحرب لتذكره بأنه لم يغادر بعد حالة الهمجية. يقول سارتر الحرب كارثة كبرى، البعض يسميها هزيمة والبعض الآخريسميها انتصارا. لقد خضعت الحرب لتأملات الفلاسفة وغلب النظر إلى الحرب على أنها ظاهرة أنثروبولوجية أى مرتبطة بالوجود الإنسانى مثلها مثل اللغة والفن واللعب. وفسر البعض الحرب على أنها تعبير عن ميل غريزى لدى الإنسان يمثله ثاناتوس إله الموت والهدم عند الإغريق فى مقابل إيروس إله الميلاد والبناء. هذا التفسير يبرر الحرب من حيث دوافعها فى النفس الإنسانية.

تفسيرات أخرى ترى فى الحرب ظاهرة إيجابية من حيث غاياتها. يعتبرها هوبز آلية ضرورية لتحقيق توازن النوع الإنسانى مع الطبيعة والحد من زيادة السكان.ويرى هيجل أن الحرب تحقق وحدة الأمة وتستنهض طاقات الشعب الإبداعية ويشبهها بالحجر الذى يلقى فى البركة الراكدة فيجدد ماءها. ونيتشه يرى أن الحرب تصهر وتصيغ الفرد المقاتل فى مقابل الفرد الخانع.

لم يكن الفكر الفلسفى كله مبررا للحرب بل قدم بعض الفلاسفة اعتراضات وجيهة. الرواقيون فى العصر اليونانى القديم يعتقدون أن الحرب تحدث بسبب أوهام الجماعات عن تفوقها على الجماعات الأخرى، ولو ساد بين البشر شعور أنهم إخوة لانتفت دواعى الحرب. وطالب كانط بضرورة إنشاء هيئة دولية تعمل على حل الصراعات بين الأمم سلميا حتى يمكن تفادى الحروب. واعتبر ماركس أن الحرب تمثل إهدارا لقوة عمل البشر، فهى تسخر جزءا كبيرا من مجهود البشر لإنتاج السلاح الذى يستخدم بدوره فى تدمير منازل ومدارس ومنشآت كانت بدورها نتاجا لجهود بشر آخرين. هذا العبث اللاعقلانى لا مبرر له سوى مصلحة رأس المال ولهذا يقول الزعيم الفرنسى جان جوريس االرأسمالية حبلى بالحرب كما تكون السحابة حبلى بالمطر. طور الديموغرافيا البشرية ينفى أطروحة هوبز فى تحقيق التوازن البيئى. كان إجمالى عدد البشر عند ميلاد المسيح 500 مليون نسمة وفى القرن الخامس عشر وصل عددهم إلى 550 مليون نسمة ولكن من القرن الخامس عشر حتى نهاية القرن العشرين بلغ عددهم ما يقارب 7 مليارات. وخلال خمسة قرون فقط مليئة بحروب دموية حدثت هذه الزيادة الهائلة. كان يمكن أن نقول إنها وجهات نظر ولكن بعد الحرب العالمية الثانية واختراع القنبلة الذرية لم يعد ممكنا أن نتعامل مع ظاهرة الحرب بمثل هذا الهدوء. ففى العالم الآن أسلحة نووية تكفى لتدمير الأرض سبع مرات.وينبهنا الفيلسوف الألمانى هانز يوناس إلى إن كل قائد فى الزمن القديم مهما تبلغ وحشيته كان موقناً أن البشرية سوف تبقى من بعده، ولكن الآن لم يعد هذا الاطمئنان موجودا، حيث لم يعد ممكناً الإطاحة بالبشر وحدهم ولكن بكل الكائنات الحية. يعتقد راسل أن الحل لن يكون إلا فى قيام حكومة عالمية تفرض السلام الاجتماعى داخل النوع الإنسانى كما فرضت الدولة القومية السلام الاجتماعى بين أبناء الأمة. وإذا قلنا إن هذه الحكومة العالمية سوف تكون لمصلحة القوى الكبرى المهيمنة اقتصاديا وعسكريا وبالتالى ستكون على حساب الشعوب الضعيفة فهذا لا يعد عيبا بل من ضمانات النجاح. فبهذه الطريقة تأسست الدولة القومية بفعل قوة اجتماعية طاغية ومستبدة تفرض السلام الاجتماعى على الجميع ثم تبدأ القوى الاجتماعية الأخرى مسيرتها النضالية الطويلة لانتزاع الحقوق. تلقف أنصار العولمة هذا التصور لكى يشيروا إلى أنها سوف تقضى على الحروب وذلك من خلال فرض نمط إنتاج معمم ونظام سياسى ليبرالى واحد على كل الشعوب، وبالتالى ستختفى الفوارق ويتحول الصراع العسكرى إلى منافسة اقتصادية. وتعتبر الحروب غير المتكافئة والغارات التأديبية التى شاهدناها مؤخرا، والتى تقوم بها أمريكا والحلف الأطلنطى ضد نظم حكم فى دول فقيرة، علامة على السير فى هذا الاتجاه رغم كثرة الضحايا من المدنيين. ولكن مراقبة المشهد العالمى تبين أن هذا الكلام محض إيديولوجيا لتجميل وجه العولمة. فالعولمة لم تعمل على إخماد الحروب بل على العكس ساهمت فى تأجيجها فى مناطق كثيرة من العالم بحجج دينية وعرقية، ويزداد مع الوقت الحيز الذى تشغله تجارة السلاح فى التبادل العالمي. وتحول الإرهاب كما صوره ديستوفسكى من مجموعة صغيرة تمتلك قنبلة يدوية تريد أن تلقى بها على عربة القيصر إلى فرق هائلة لديها مصفحات وأسلحة واعلام وبث مباشر على الهواء أى إلى شكل جديد من أشكال الحرب التى تتلون كالحرباء حسب وصف كلاوزفيتز.

رغم قتامة المشهد من الممكن أن نتصور نهاية للحروب والأمل فى ذلك هو ضمير الشعوب ونفورها من الحرب. لقد رأينا مظاهرات حاشدة تخرج لإثناء السلطات عن الدخول فى الحرب، ولاشك أن النضال العالمى لإزالة مظاهر الظلم والتفاوت بين الشمال والجنوب سوف يسهم فى تحقيق هذه الغاية.


لمزيد من مقالات ◀ د. أنور مغيث

رابط دائم: