رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإنهاكْ الذاتى: الأزهر نموذجًا

فى أزمنة حروب المصير تتمسك الأمم بكل أسباب قوتها، ويبذل كل مُخلص لأمته ما استطاع من جهد، ليطور أدوات ثغرِه، ويسعى كل مبدع مجتهد لاستحداث أسباب جديدة للقوة. أمّا استهلاك أسباب قوة الأمة تحت أى ذريعة فلا يمكن تصنيفه إلا تفريطًا، وبالتالى فمنْ غير المتصور المطالبة بالتخفف من أسباب قوة الأمة، إذ لا يفلح مبرر فى إقناع الساهر على ثغرٍ بالنوم حرصًا على صحته!، تمامًا كما لن يقتنع حى بالتوقف عن التنفس راحةً لرئتيه.

تفرض أزمنة حروب المصير على الأمم أنْ تُراجع أسباب قوتها، إعمالاً لأدوات التقييم الواعى التى تهدف للتقويم المطور، وما فِعلُ الثورة -فى أصله النقى لا المستخدَم- إلا مُراجعة جمعية للمسير نحو الوطن المنشود حياة تصون أولياتها الأساسية، عيش يقيم أوَد الأبدان وأمن يضمن استقرار الأوطان. ولئن كانت الأمة المصرية تتحرك منذ سنواتٍ صوب بعثٍ جديد لجمهوريتها، فحتما لهذا الحراك أدواته الواعية التى تعمل مراجعات لما ضعف من أسباب قوتنا، وما عطل من مكامن تميزنا، وما استلب من عناصر تميزنا، وهى المراجعة العامة والشاملة فى مواجهة عالمية وشمول المشروعات التى تستهدفنا أمة ومقدرات ومؤسسات.بمراجعة أزمنة استهداف المصير فى تاريخ الأمة المصرية، نكتشف أن المصرى بتعاقب قرون عمره الطويل، كانَ مشحونا بطاقات حياة مؤهلة للإبداع الذاتى على كل ثغر يرعاه، واستطاع عبر قرون متجذرة فى عمق الوجود، أن يُشيد حضارة عنوانها الإيمان الواعي، وطلاسمها تستعصى على فهم الأسلاف حتى يومنا هذا، إعمارا شيده مصرى مؤمن ينهل من دار عبادته وقود حياة، وزاد تعايش، ودرع حماية من كل إخضاع وتبعية، إنّه الإيمان المصرى القديم بتنوع عقائده مرجعية، وتعاشقها تعايشًا ومحبة. حين أحدق الاستهداف بأمتنا، غدا دينها هدفًا لكل مستهدف، بين مُتاجر به تطرفًا، ومفرط فيه تطرفًا، وهو ما عطل واحدًا من أهم أدوات خصوصية القوة المصرية، والوقائع تشير إلى ازدهار التطرف فى وادينا حين بات محكومًا بلاعبين أحدهما يتاجر بالدين والآخر يفرط فيه، بل إن هذا الحال غدا ظاهرةً عالمية تتسع تدريجيًا باتساع عالمية المتاجرين بالأديان والمفرطين فيها، حتى أصبح الأمريكى المسيحى المتحول للإسلام جنديًا فى داعش، وحملَ الرئيس الأمريكى الإنجيل فى مواجهة المتظاهرين المناهضين للعنصرية!.

منذ بداية ما عرف بالربيع العربي، مر قرابة عقد من عمر أمتنا، انفضحت خلاله كل مشاريع الاستهداف بنا، حتى بات كل مصرى ملمًا بها بعدما كان «مكبر دماغه»، وبإسقاط تمكين الإخوان من حكم مصر فى ثورة 30 يونيو 2013، لم تعد مواجهات التنظيم مقصورة على الإدارة بل أصبح الشعب على رأس الأهداف، حيث اعتبره الإخوان فى كل أنحاء العالم خصمًا مباشرًا تمرد على المشروع الإسلامي، ومما لا شك فيه أن أهم ما اكتشفه الشعب هو حالة التغلغل التنظيمى فى بدنه مجتمعًا ومؤسسات، الأمر الذى فضح وجوهًا كانت بين المصريين تحيا وتوزع جراثيم تنظيمها دون أن تُعلن عن حقيقة انتمائها، وهو ما دفع العشرات ممن يرون أنهم مختصون إلى دراسة ظواهر زيادة نسبة الإخوان فى أوساط الريف عنها فى الحضر، أو داخل شرائح الأطباء والمهندسين عنها فى مهنٍ أخري، ومن غير المتصور أن يقول قائل بإلغاء كليات الطب والهندسة لأن الإخوان انتشروا فيها، تمامًا كما أنه ليس من المنطق غلق كل الجمعيات الأهلية لأن التنظيم كان يستخدم بعضها لصالحه.

فى أزمنة الحروب متعددة المستويات والاتجاهات، يكون استنفار كل الطاقات فرض عين، واستنهاض كل المقدرات واجب الوقت، كما يتعدى تعطيل أى طاقة حدود التفريط إلى الخيانة، ويتحول أى خطاب مشتت أو مفتت أو منهك من مجرد خطاب إعلامى أو إعلانى يستهدف الحضور أو حتى رفاهية الطرح، إلى خطاب خصم من رصيد اللحمة، وتشتيت لإدارات المرحلة، وإلهاء لأمة فرضها التركيز، إن خطورة فعل الإنهاك الذاتى للأمة المصرية عبر ترويج خطابات إعلامية تخصم من أسباب قوتنا، فعلُ بات يستحق من المعنيين بالمصير التنبه العاجل، حيث إن الوعى المصرى مثقل بأسباب تشتيته وتحديات بقائه، ومن غير المقبول أن يكون لمصر على سبيل المثال خصوصية إنسانية ودينية عالمية تتمثل فى مؤسسة الأزهر، وبدلًا من أن يتم تفعيله ليكون راية إنقاذ ترتفع من أرض مصر إلى أفق الإنسانية، يُصبح مادةً لخطابات التطرف العكسي، بما يخرجه عن التركيز فى أولويات المرحلة، ويضعه فى خانة رد الشبهات عن ذاته بينما الأصل أن يرد الشبهات عن الأمة كلها، وأن يحرر الخطاب الإسلامى من أسر تنظيمات التطرف والإرهاب، وأن ينتج خطاب تعايش إنسانى بدأه إمامه الأكبر مع بابا الفاتيكان.


لمزيد من مقالات ◀ عبد الجليل الشرنوبى

رابط دائم: