رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مصر فى «دائرة الخطر»

على الرغم من كل تلك التسريبات التى كان يتم تسريبها عن عمد من جانب دوائر معادية لمصر، تسريبات يشارك فيها أطراف متعددة تكشف مدى التربص بمصر وبالدور المصري، إلا أن ما يحدث الآن من تهديد متعدد الأطراف وفى تزامن غير مسبوق تجاوز كل مضامين تلك التسريبات التى كانت تؤكد أن «مصر ستبقى مصدراً للتهديد يجب التحسب له». من أبرز تلك التسريبات كانت مقولة إن مصر هى «التفاحة الكبري» أو «الهدية الكبري» التى جرى إطلاقها فى غمرة تساقط العواصم العربية الواحدة تلو الأخري، كانت تلك المقولة تحمل إشارات أن «موعد مصر لم يأت بعد»، وأن هذا الموعد «سيأتى حتماً». الملفت أن معظم هذه التسريبات كانت أمريكية وإسرائيلية، ما يعنى أن توقيع مصر لاتفاق السلام مع إسرائيل، لم يكن كافياً لإرضاء غرور الإسرائيليين، ولم يتوقفوا لحظة عن التعامل معها باعتبارها «العدو التاريخي»، وإن كان الصراع معها يبدو «صراعاً مؤجلاً» لحين الانتهاء من حسم مصائر الملفات الأخرى مثار التهديد. لم تتوقف أنظارهم لحظة عن متابعة تطور القدرات العسكرية المصرية بقلق شديد، سواء من ناحية كفاءة التسليح وتنوع مصادره بعيداً عن «أحادية التحكم الأمريكية» فى مصادر التسليح المصري، أو من منظور تطور الكفاءة القتالية المصرية. ولم تغب سيناء لحظة عن أطماعهم انتظاراً لمجئ الوقت والحوافز التى تفرض عليهم العودة إليها مجدداً كى يتحول شعار «إسرائيل الكبري» من «حلم» أو «أوهام» إلى أمر واقع.

لم تكن إسرائيل وحدها هى من يناصب مصر العداء ولكن كانت تركيا وبالذات مع سقوط أحلام رئيسها فى إحياء عهد «الخلافة العثمانية» بالتأسيس لـ «عثمانية جديدة»، مع سقوط مشروع حكم الإخوان فى مصر، وكانت إثيوبيا، ولكن على استحياء، وربما بخبث ودهاء يفوق الدهاء الإسرائيلى ويتجاوز الرعونة التركية، لكن ما يحدث الآن من تناغم فى التخطيط ضد مصر، سواء بتنسيق أو عدم تنسيق، بين إسرائيل وإثيوبيا وتركيا، يكشف، وربما للمرة الأولى أن مصر باتت «فى عمق دائرة الخطر». فهل من الصدفة أن يتزامن إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نيتانياهو وتأكيده أن يوليو المقبل هو موعد البدء الإسرائيلى الفعلى فى فرض السيادة الإسرائيلية على الكتل الاستيطانية الإسرائيلية ووادى عربة فى الضفة الغربية المحتلة، مع إعلان آبى أحمد رئيس الحكومة الإثيوبية تحديد يوليو المقبل موعداً لبدء ملء خزان «سد النهضة الإثيوبي» بالمياه، دون انتظار، أو بالأحرى دون اعتبار، لتوافق مع كل من مصر والسودان حول القضايا الخلافية المثارة معهما؟ فرض السيادة الإسرائيلية، على الجزء الأكبر من الضفة الغربية للشروع الفعلى فى تصفية القضية الفلسطينية وفرض مشروع «إسرائيل الكبري» كدولة يهودية على كل أرض فلسطين، وفرض السيادة الإثيوبية على نهر النيل وتصفية كل الحقوق التاريخية لمصر والسودان فى نهر النيل، التزاماً بقول وزير الخارجية الإثيوبى بأن «الأرض أرضنا، والمياه مياهنا، والمال الذى يبنى به سد النهضة مالنا، ولا قوة يمكنها معنا من بنائه»، لا يمكن أن يكون أبداً محض صدفة .

من الصعب أن نتعامل ببراءة، مع المدلول الفعلى للتزامن فى شروع تل أبيب وأديس أبابا خوض ما يسمونه بـ «معركة فرض السيادة»، فى ظل قوة العلاقات الإسرائيلية- الإثيوبية، ووجود مكون شعبى إثيوبى مهم ضمن مكونات «الشعب الإسرائيلي» (يهود الفلاشا الإثيوبيين) ومجمل الإتفاقيات التى جرى التوقيع عليها بين إسرائيل وإثيوبيا خلال زيارة رئيس الحكومة الإثيوبية لإسرائيل، وفى ظل تأكيدات بأن «إسرائيل طرف قوى فى ملف سد النهضة» و«أطماع إسرائيل فى مياه النيل» وكونها طرفاً مباشراً فى إدارة ملف سد النهضة وتداعياته، سواء من الجانب الأمنى فى ظل تسريبات تؤكد بأن شبكة صواريخ إسرائيلية متطورة باتت مسئولة عن حماية سد النهضة، أو من الجانب التقنى حسب ما أفصحت عنه نائبة المدير العام للشئون الإفريقية فى وزارة الخارجية الإسرائيلية أيثان شيلين فى لقائها مع هيروت زامين وزيرة الدولة الإثيوبية للشئون الخارجية.

هل ما يحدث هو توافق أم تحالف إسرائيلي- إثيوبى لإحكام الضغط على مصر؟

السؤال تزداد أهميته، بل وخطورته بدخول تركيا كطرف مباشر فيما يمكن تسميته بـ «معركة كسر إرادات مع مصر» وهذه المرة فى العمق الإستراتيجى لمصر بالأراضى الليبية من خلال دعم حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، دعماً عسكرياً بالأسلحة المتطورة وبالميليشيات الإرهابية لفرض السيطرة الكاملة على ليبيا. وفى إعلان تهديد مباشر للمصالح الاقتصادية المصرية من خلال السعى لفرض سيطرتها على حقول غاز المتوسط بالشكل الذى تريده استقواء بالسيطرة على القرار الليبى بهذا الخصوص. تركيا تخوض الآن معركة خليج سرت، ويؤكد رئيسها رجب طيب أردوغان أنه «لن تكون تكون هناك أى مفاوضات سياسية، أو وقف لإطلاق النار فى ليبيا إلا بعد سيطرة قوات حلفائه على مدينة سرت» لذلك رفض إعلان القاهرة كمبادرة مصرية لحل الأزمة الليبية سياسياً، ويسعى للسيطرة على مدينة سرت باعتبارها «بوابة الشرق الليبي» حيث آبار النفط والغاز واحتياطياته الرئيسية، وإذا نجح فى هذه المعركة فإنه يعتقد أنه سيكون بمقدوره تكريس النفوذ التركى فى ليبيا سياسياً وعسكرياً.

يحدث هذا كله فى وقت بدأت فيه الإدارة الأمريكية بفرض أقسى وأقصى عقوبات ضد سوريا ببدء تنفيذ أسوأ قانون عقوبات أمريكى على سوريا يحمل اسم «قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين» لعلها تستطيع أن تحقق بالعقوبات الاقتصادية ما عجزت هى وحلفاؤها عن تحقيقه طيلة السنوات الماضية، بالعمل العسكرى الذى تحول فعلاً إلى «حرب على سوريا» ابتداء من عام 2014، هدفه ليس فقط إسقاط الحكم السورى وإنهاء تحالفه مع إيران بل كان الهدف هو إسقاط سوريا كما أسقط العراق. ما يحدث هو «هندسة للأزمات» المحيطة بمصر تضعها فى عمق «دائرة الخطر» الذى يجمع للمرة الأولى إسرائيل وإثيوبيا وتركيا فى تهديد مصر وأمنها ومصالحها الوطنية، تطور يفرض على مصر حسابات ومراجعات كثيرة للأهداف والمصالح والقدرات لمواجهة الخطر.


لمزيد من مقالات ◀ د. محمد السعيد إدريس

رابط دائم: