رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الاكتفاء الذاتى من الغذاء

دائما ما يكتب او يتحدث البعض عن ضرورة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية الموفرة لغذاء المصريين حتي لا تحتاج الدولة في حالة مرورها بأي من صراعاتها أو بأي ضائقة كالتي تمر بها الآن بسبب فيروس كورونا إلي الخضوع او الاستسلام للظروف او الشروط القاسية التي يسعي البعض لفرضها. فنحن نعلم ان الذي يملك لقمة عيشه يملك قراره السياسي. وهي مقولة صحيحة في الوقت الذي قيلت فيه وهو الوقت الذي كان تعدادنا فيه 30 مليون نسمة وكانت مصر تزرع نحو خمسة ملايين فدان من الارض السوداء الخيرة التي تعطي الغزير من المحاصيل الحقلية التي تحتاجها سلة غذاء المصريين. وتستمر المقولة القديمة صحيحة ولكن مع التعديل في طرق الوصول اليها فقد أصبحنا 100 مليون، بينما انخفضت مساحة الارض السوداء القديمة بسبب تآكل المساحة الزراعية نتيجة للنمو الاشعاعي للقري وتجريف الارض وتبويرها بالبناء عليها.

ومن الأمور الغريبة علي طول تاريخنا أننا كنا نردد دائما مقولة ان مصر بلد زراعي يعتمد اقتصادها علي الزراعة الارض وجهد الفلاح. في حين ان حقيقة الامر أن مصر في الأساس بلد صحراويا تشكل فيه الزراعة نسبة من اقتصادها وناتجها الإجمالي القومي. كما ان الزراعة كانت لا تتواجد إلا في تلك المساحة الضيقة الخضراء التي تلتصق بالنهر او بفروعه.

خلال العقد التسعيني من القرن الماضي كانت الأرض السوداء الزراعية تنكمش بما مساحته 40 الف فدان سنويا نتيجة للتبوير والبناء عليها. وكان هذا التبوير بسبب إهمال الفلاحين للزراعة ورغبتهم في حل مشاكل ابنائهم في الإسكان او كان بسبب فساد المحليات وغض نظرها المنظم لعمليات التبوير والبناء او بسبب إهمال الدولة لمشاكل الريف والريفيين. ثم محاولة إسكاتهم، أي المزارعين، والسكوت علي انتهاكهم للأرض في المناسبات الانتخابية البرلمانية عندما كان أعضاء الحزب الحاكم يضغطون فيها علي المحليات لمد الخدمات، من مياه، وكهرباء الي المباني المخالفة مقابل الحصول علي أصوات الريفيين في الانتخابات. أو لكل هذه الأسباب مجتمعة. المهم ان تعدادنا الآن لم يعد التعداد القديم ولا مساحة الأرض الصالحة للزراعة هي ذات المساحة. ومع إهمال الارض والزراعة تغيرت ملامح القرية المصرية وبات فيها مساكن للإيجار وسكن لموظفين ينتقلون يوميا للحضر القريب للعمل. لم تعد الارض الزراعية في حيازة كل قرية تفي باحتياجات اهلها. واصبح لدينا قري يتجاوز تعدادها تعداد العديد من المراكز الحضرية. فهل يمكن في هذه الأوضاع الجديدة تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الحقلية التي هي اساس سلة الغذاء المصرية؟

كما أننا في العقدين السبعيني والثمانيني لاحظنا ظاهرة كانت جديدة ولا تزال، علي الريف المصري وصغار حائزيه عندما كان ملاك الأرض الزراعية يجرفون أرضهم ليبيعوها طميا تستخدم في بناء الطوب الأحمر في القمائن. فصغار الحائزين الذين فاتهم قطار الهجرة عوضوا أنفسهم ببيع طمي الأرض. خاصة انه في ذلك الوقت كانت عملية بناء المساكن الإسمنتية مزدهرة في الريف نتيجة لوصول التحويلات من بلدان النفط ومحاولات الريفيين تطوير حياتهم بعد ان أهملتها الدولة وتركت القري دون تخطيط يراعي النمو السكاني واحتياجات الاجيال الجديدة.

ولا نستطيع إنكار ان العديد من المصريين الذين اتجهوا الي بلدان النفط ثم عادوا بمدخراتهم اتجهوا الي استصلاح الأراضي التي هي في الأساس أراض رملية مسامية لا تصلح مباشرة لإنتاج المحاصيل الحقلية التي تقدمها الارض السوداء الملاصقة لمجري النهر. وهي الأرض التي تكونت طبقاتها الطميية علي مدار آلاف السنين نتيجة لطبيعة منابع النهر وما تحمله مياهه من طمي يملك عناصر تغذية للأرض ومحاصيلها. فالأرض الصحراوية المستصلحة لا تصل الي حديتها الإنتاجية إلا بعد فترة زمنية من الرعاية والمثابرة. فهي في النهاية تروي علي مياه الآبار ولا يصلها طمي النهر ودائما ما تزداد صلاحيتها لبعض الفواكه والخضراوات. وفي تاريخنا الحديث تجارب عدة في التعامل مع الارض الصحراوية أدت في النهاية الي قيام محافظات مثل محافظة الاسماعلية التي تأسست في البداية منذ ان مدت ترعة الاسماعيلية لتوصل المياه الي مناطق حفر قناة السويس وتحولت من ارض صفراء مسامية الي ارض زراعية وباتت من محافظاتنا المشهورة المنتجة للفاكهة وللخضراوات.

الخلاصة أن الأحوال القديمة التي ازدهر فيها هذا الشعار توارت ولم يعد التعداد هو التعداد ولا مساحة الأرض هي المساحة. وبسبب التنوع المناخي، وبالتالي تنوع الزراعات فلم يعد شعار الاكتفاء الذاتي من القمح او غيره من المحاصيل ممكنا بأي حال من الأحوال. وأتصور ان المتاح الآن هو التوسع الرأسي بجانب الاهتمام بالأبحاث الموجهة لتحسين السلالات التي تقدم لنا أفضل الإنتاج الزراعي. بجانب، وهو هام للغاية، تطوير نظام الري بحيث يتم تحقيق الاستغلال الجيد للمياه.

واذا عدنا بالتاريخ الي مراحل التوسع في استصلاح الارض في مصر فإننا سنجدها في عهد الخديو اسماعيل ثم في عهد عبد الناصر ثم ننتظر الآن ان يتم استصلاح المليون والنصف مليون فدان التي وعد بها الرئيس السيسي. في المرحلتين الأوليين توجهت الأرض الي الزراعات ونظم الري التقليدية وهو ما لا يحدث الآن. فالأرض المستصلحة تتجه في غالبيتها الي الزراعات المحمية والي الري بالتنقيط. وهي توجهات جديدة لا تناسب المحاصيل التقليدية ولكنها تناسب الواقع الجديد. بجانب ذلك لابد من السير بخطي لا تتزعزع نحو حماية ما تبقي لنا من ارض سوداء وعدم التفريط فيها تحت اي سبب. وهو ما يدعونا الي ضرورة العناية بالقرية المصرية ومتطلبات اهلها وابنائها. بالإضافة الي ضرورة الاستماع الي رغبات المزارعين التي تنادي بعودة الدورة الزراعية التي تحمي الأرض والمياه والمحاصيل، والتي كانت في الماضي تقدم أعلي المحاصيل دون الانتظار للاكتفاء الذاتي لاعاجلا او آجلا.


لمزيد من مقالات أمينة شفيق

رابط دائم: