رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حال كبار السن فى كندا

مع قِدم السن والمعاناة الصحية المزمنة يحتاج المسنون رعاية خاصة لقضاء حاجاتهم اليومية. فى كندا عندما يعجز الأهل عن العناية بذويهم المسنين يضعونهم فى دور الرعاية الدائمة أو دور المسنين. العقيدة والثقافة المتداولة فى المجتمع الكندى هى أن الأهل ليست لديهم إمكانية الاعتناء بذويهم المسنين، وأن الدولة هى التى بموجبها توفير المسكن والمرعى لإعالتهم. لذا أصبح من الطبيعى وضع المسن فى دار مسنين فور استحالة إقامته بمفرده أو مع عائلته. لكننا لابد أن نفرق بين دور المسنين ودور الرعاية الدائمة، لأن المسن قد يستطيع التعامل مع حاجته، أما المقيم فى دور الرعاية فهو يحتاج رعاية مكثفة ودائمة.

تحاول الدولة جاهده تطبيق منظومة مثالية لإبقاء المسنين فى ديارهم لمدد أطول، ذلك عن طريق توفير بعض الرعاية منزليا، لكن آخر المطاف لهؤلاء هو دور الرعاية. لذا يوجد حوالى 100 ألف دار حول كندا يسكنها أرباب المسنين، وذو والاحتياجات الدائمة. هذه الدور وإن كانت توفرها الدولة ليست بالمجان، ويتميز بعضها عن البعض الآخر فى أسلوب العناية والرعاية وتوفير الخدمات حسب الأجر بالطبع.

كان يُنظر إلى هذه الدور دائما على أنها الوسيلة الأمثل للحفاظ على آدمية كبار السن، وضمن ما يتمتع به كبار السن من مزايا رائعة لا توجد فى بلدان كثيرة من العالم. فمثلا تعطى إعانة معاشية لجميع المسنين سواء عملوا أو لم يعملوا طالما عاشوا فى كندا لمدة 20 عاما عند إتمامهم الـ65 عاما، ويضاف إلى هذا المعاش ملحق إعانة شهرية لذوى الدخل المحدود. وكبار السن يركبون المواصلات العامة مجانا خاصة فى أيام الأسبوع وغير الإجازات. ويدفع المسن ضرائب الدخل العام مثله مثل جميع أفراد الشعب حتى على المعاش إلا أنه يتمتع بضرائب مخفضة إلى حد ما. كما توجد بعض التفضيلات العلاجية للمسن، فمثلا باستطاعته زيارة طبيب العيون وعمل كشف النظارة بالمجان.

جاء كوفيد-19 مع الأسف ليسحق نظرية حُسن أحوال دور الرعاية وحُسن أحوال المقيمين بها، ولتثبت أوجه قصورها وعدم أهليتها للعناية بالمسنين. ظهرت أولى حالات كوفيد-19 فى دور الرعاية وتفشت فورا، وانتقلت من مقيم إلى مقيم ومن دار إلى دار، حيث إن كبار السن أكثر عرضة للإصابة بالفيروس ولا يمتلكون مناعة قوية، ولأن القائمين على تمريضهم يتنقلون بين الدور وينقلون معهم الفيروس.

ثبت أن 82٪ من حالات الوفاة من كوفيد-19 فى كندا حدثت فى دور رعاية المسنين وغزا الفيروس ما لا يقل عن 600 دار. مع حلول نهاية شهر مايو حدثت 1538 حالة وفاة من كوفيد-19 فى مقاطعة أونتاريو فى دور الرعاية إلى جانب 1335 إصابة فى المتكفلين بالعلاج مع وفاة 6 أعضاء منهم. أما فى مقاطعة كيبيك فكانت هناك 2500 حالة وفاة نابعة من دور الرعاية. هذه المعدلات أعلى من معدلات الوفاة فى المسنين فى أى بلد آخر.

المأساة أن هؤلاء تُوفوا بمفردهم مع منع الزيارة فى الدور لتفادى الاختلاط. ومع عدم توفر التمريض الكافى وتخوُّف بعض الأطقم الطبية من العدوى، اضطرت مقاطعتا أونتاريو وكيبيك إلى استدعاء الجيش لتوفير العناية بالمسنين، فتم نشر ما يقرب من 1650 من أفراد الجيش المدرّبين. هنا ظهرت كارثة كبرى. قدم الجيش إلى حكومة أونتاريو تقريرًا مرعبًا عن الحالة فى هذه الدور، سرد فيها حالات مروعة من الإهمال وإساءة معاملة كبار السن. طعام فاسد وتجاهل مذهل للنظافة ووجود حشرات ومصابين تُرِكوا فى حفاظات متسخة ومحاولات إطعام بالإكراه مسببة الاختناق، جميعها أمثلة مدرجة فى التقرير. كما تطرّق التقرير إلى الحالات التى اكتُشف فيها معدات مستخدمة على كل من المرضى المصابين وغير المصابين دون تعقيم. كما وصف التقرير أيضا إحدى الدور التى استخدمت المخدرات لتخدير القاطنين المضطربين بسبب حبسهم فى غرفهم بمفردهم أثناء الجائحة.

أكدت بعض البلاغات من أفراد أسر أولئك الذين يعيشون فى دور الرعاية التقرير: هناك أزمة حقيقية فى كيفية رعاية كبار السن موجودة فى كثير من الدور قبيل وصول كوفيد- 19 إليها. وسُمح للأزمة بالانتشار نتيجة قطع التمويل وزيادة الخصخصة وعدم توظيف عمالة كافية وعدم تواجد عمالة مدربة على الرعاية الأفضل، تستطيع التعامل مع المسن الذى يحتاج معاملة خاصة كمثل الذى فقد أسنانه، فلا يريد أن يأكل أو يجد صعوبة فى البلع. وأشارت المعلومات إلى أن بعض المسئولين كانوا يدركون سوءأحوال هذه الدور، لكن الأمر تطلب تدخلا عسكريا لإبراز التفاصيل.

إن سلو البلاد مختلف، لكن قد دق ناقوس الخطر فى كندا منذرا كل من يتعامل مع المسنين فى جميع أنحاء العالم، فقد آن الأوان لإصلاح نظم الرعاية طويلة الأمد التى تعانى من عقود من الإهمال حتى تتوافر الكرامة لكبار السن.


لمزيد من مقالات د. عزة رضوان صدقى

رابط دائم: