رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أخلاق نبيلة!

ينشغل الناس بجائحة الكورونا ، ولكنى مع هذا الهم العام يشغلنى هم آخر له أثاره الاجتماعية الوخيمة، التى لا يعيرها البعض اهتماما يذكر، وهى انتشار سوء التعبير عن المشاكل والضغوط الحياتية، واستسهال التدنى فى الألفاظ والسلوك، ظنا منهم أن ذلك قوة لمنطقهم، وعافية للوصول إلى مبتغاهم، فتبارى المطالبون باحتياجاتهم المحقة وغير المحقة، فى الصياح والنواح والهجاء والبذاءة، معيدين الروح للشاعر (الحطيئة) هجاء العرب فى الترهيب بالشعر المقذع.

انتشار البذاءة على الألسن خاصة الشباب عنوان لمشاكل اقتصادية واجتماعية عريضة، تعبر عن نفسها فى مثل هذه البذاءات كتنفيس عن وطأة البطالة وعدم استيعاب النظام الاقتصادى لقوى الإنتاج، وانتشار عدم الثقة والاستسلام للشائعات، إلا أن الشعوب الحضارية ذات التاريخ الطويل صمدت أمام التحديات المعيشية الداخلية، والتحديات الاستعمارية الخارجية، يخلق قيما إنسانية قادرة على تسيير الحياة بين الأفراد بشكل أفضل، فنحن من ابتكر مثل «كافى خيرى شري...» أو«كافى غيرى شري» وكلاهما يكتفى بالخير عن الشر مهما كانت الظروف!

السؤال أصبح متى أصبحت البذاءة فى حد ذاتها قيمة لاغتصاب الحقوق فالاحتجاجات الأخيرة المنشورة على وسائل التواصل تبين أن قيادات المجموعات والمتحدث باسمها أكثرهم بذاءة لفظا ونشاز صوت! أعتقد أن هذه اللوثة الأخلاقية لم تنتشر إلا مع ثورات الربيع العربى المضلل، الذى وجد فى تحطيم النخب والتشكيك فيها خير وسيلة لهدم الدول العربية، «فالدول بنخبها» ودون النخب الفكرية والثقافية والفنية والسياسية ماذا يتبقى من الدولة، إلا قطعان من البشر بلا هوية! وبلا قيم عقلانية أخلاقية حارسة للتنظيم الاجتماعي! وعند عزلها وتحييدها تكتسب البذاءة قيمة معرفية! بأنها الوسيلة الفعالة لاقتناص المكاسب، وقيمة وجدانية! بالإحساس بالقوة الكاذبة، وقيمة سلوكية! باختيار أبشع الألفاظ وأدناها للترهيب، وليست الخطورة بما تحقق من مكاسب تافهة، ولكن فى تقويضها للحس الجمالى العام، حتى يتعود الناس على القبح، ولا يعودوا للنفور منه، فالخبرة الجمالية ليست مجرد الإحساس بالنشوة من شيء جميل، بل يعتبرها الفيلسوف الأمريكى (جون ديوي) أساس المعرفة والتربية والأخلاق والسياسة، فأى خبرة هى تفاعل يتم بين الكائن الحى والبيئة فإن كانت خبرة جمالية مستمدة من حاضر بهيج، فيصبح لها مستقبل، وهى الخبرة الناجحة وتصل إلى معناها الأتم، وهى ليست فى المتاحف، ولكن فى سياق الحياة والسلوك اليومي، وتقويض الحس الجمالى فى التمييز بين الجميل والقبيح خطر على مستقبل الجماعة الوطنية وهنا تكمن الخطورة!

التاريخ ما هو إلا صراع دائم ما بين قوى سلبية وأخرى إيجابية، والمستقبل الحضارى الذى يتمناه الغالبية يدور حول فلسفة العصر الإيجابية، فى تحمل المسئولية والإنتاج، وسنظل نعانى الفائض الانفعالى الذى يحض على العنف بأشكاله حتى نصل إلى التوازن الاجتماعى القائم على الاستقرار الاقتصادى الإنتاجي، فيؤدى إلى انحسار التهييف الفكرى الذى غرقت فيه المجتمعات العربية عامة فى مرحلة ما بعد الاستعمار، من التعلق بالأيديولوجيات المغلقة على نفسها، الحاقدة على غيرها، والدفاع بالعنف عن الهيافة الفكرية وقوامها الألفاظ الضخمة والمفاهيم الكبرى التى تخدع البسطاء والعامة على أنها إيجابية، إلا أن التجربة كانت ودائما شرط التجاوز كما يرى (هيجل) فتجربة الشعب مع الإخوانجية حطمت الهيافة الفكرية التى يستندون عليها التى تخلو من قيم الإنسانية الخالدة من الحق والخير والجمال وهى قيم لا يصح أن تتحقق بالعنف اللفظى أو المادي، فالدعوة إليها ليست إلا بالكلمة والموعظة الحسنة وشهد الكافة عليهم بالبذاءة المتدنية فى قنوات التعبير عنهم امتدت إلى إسالة دماء الأبرياء للوصول للسلطة! فمشكلتهم أصبحت مع الشعب لا مع أفراد أو هيئة، وقد تمكن الشعب من محاصرة فكرهم الدموى واتفق على عزلهم وما الالتفاف حول مسلسل «الاختيار» إلا إعلان عن وحدة الشعب على مبدأ واحد وهو تحرير الفكرة الدينية من الوصمة الإخوانجية.

يبقى التحرر من البذاءة كأسلوب حياة واجبا أخلاقيا وإنسانيا ووطنيا، وقد سمعت صوتا هاتفا فى السحر نادى - من وسائل التواصل أيضا - لينذر غفاة البشر، وهو صوت فخامة النبيلة «نبيلة مكرم» وزيرة الهجرة وشئون المصريين بالخارج، وهى ترد على إساءات العالقين البذيئة بحقها، بالعفو والصفح وإيضاح الأمور بشفافية، ولم ترد على النائبة البذيئة بالبرلمان الكويتي، إلا بالأخلاق النبيلة القائمة على الثقة العقلانية والمنطق والهدوء النفسي، وهى الجماليات الوحيدة القادرة على كشف ما للبذاءة من قبح، فرسمت صورة ذهنية جميلة لإيجابية الأخلاق النبيلة!


لمزيد من مقالات ◀ وفاء محمود

رابط دائم: