رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

علاقات الدول المتعددة فى وجه وباء كورونا

إحدى النتائج التى ترتبت على إدارة الدول لأزمة فيروس كورونا هى التراجع فى مفهوم العلاقات متعددة الأطراف - أى التى تجمع عددا كبيرا من الدول - التى يقوم عليها النظام العالمى فى العقود السبعة الأخيرة منذ نشأة الأمم المتحدة، ومنظماتها المتعددة. وجاء إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995، تعبيرا عن العلاقات المتعددة الأطراف فى التجارة، وهى الأكثر أهمية وفعالية فى عالم المصالح، وتدرك الأمم من واقع خبراتها أن العلاقات الاقتصادية المتداخلة بين الشعوب تحافظ على السلام والاستقرار، وتحول دون نشوء حروب أو نزاعات. وقد وجدت الدول النامية فى العلاقات المتعددة الأطراف ملاذا لها، تستطيع من خلاله أن ترفع صوتها، وتعبر عن مصالحها، وتسعى إلى تحقيقها بشكل أفضل من العلاقات الثنائية بين الدول، التى مهما اتسمت بالود الظاهر، تعبر عن توازنات القوة بين الطرفين. وقد أقبلت الدول النامية على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية أملا فى تحقيق مصالحها.

اللافت أن يمر ربع قرن على نشوء منظمة التجارة العالمية فى ظل استقبال العالم جائحة كورونا، بما استلزم اتخاذ إجراءات تقف على وجه النقيض من مبادئ هذه المنظمة التى ترعى التجارة الكونية، وتعمل على فتح الحدود، وإزالة العوائق الجمركية، وتكثيف التبادل التجارى. أخطر ما جاء به هذا الفيروس هو التشكيك فى الأساس الذى بنيت عليه المنظمات الدولية عامة، والمنظمة التجارة العالمية خاصة، وهو مبدأ العلاقات متعددة الأطراف. هناك ثلاثة ملامح أساسية يمكن تتبعها من ثنايا مواجهة فيروس كورونا تمثل تحديا مباشرا لمفهوم العلاقات المتعددة بين الدول.

الملمح الأول: التشكيك فى مسئولية الدول. ظهر ذلك فى التوجه الذى تبنته الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا تجاه الصين، باعتبار أنها لم تشارك المجتمع الدولى بالمعلومات فى المراحل الأولى لاكتشاف المرض، أو هكذا يروج، وتطول الاتهامات أيضا منظمة الصحة العالمية- وهو إطار دولى متعدد الأطراف- وأسفر ذلك عن حجب الولايات المتحدة مساعدتها المالية لهذه المنظمة، وهو قرار له تداعيات واسعة فى ظل الوضع الراهن. وفى سياق الحديث عن مسئولية قيادات الدول فإن الأمر يتطلب تقييما حقيقيا، حيث إن الكثير من قيادات الدول التى قاست كثيرا من ويلات الفيروس، وأسفر عن مصابين وضحايا بعشرات الآلاف، صدر عنها فى البداية تقييم للوضع أقل بكثير مما يحمله من مخاطر، فالرئيس دونالد ترامب هون من شأن الفيروس فى البداية، وقال إنه أقرب إلى نزلة البرد العادية، ونٌقل عنه حديث بأن الضحايا من الانفلونزا سنويا أكثر من ضحايا فيروس كورونا، وهناك قيادات عديدة صدرت عنها تصريحات شبيهة.

الملمح الثانى: هو تصاعد الروح القومية بشكل يحمل مشاعر سلبية تجاه شعوب أو دول أخرى. هناك بالتأكيد فى العقود الأخيرة تصاعد فى النظرة السلبية للآخرين فى بعض الدول بناء على انتعاش الروح القومية، واحتل المهاجرون النصيب الأكبر من هذه المشاعر السلبية فى أماكن كثيرة من العالم، استنادا لأسباب اقتصادية أو سياسية أو حتى دينية مذهبية، وقد حملت ردود الأفعال تجاه فيروس كورونا بعضا من الروح القومية الغاضبة. ظهرت فى المجتمعات الأوروبية، التى تضررت بشدة من الوباء، مشاعر سلبية ضد الصين، والبعض اتجه إلى التعميم فى مواجهة الآسيويين، وصدرت تصريحات من دول تحمل معانى الانكفاء الشديد على الذات القومية، والانسحاب من فلسفة العلاقات المتعددة الأطراف بين الدول، منها تصريح صدر عن الرئيس دونالد ترامب بأن الدواء لشعبه فقط، وآخر عن رئيس وزراء استراليا يدعو الزوار الأجانب إلى العودة إلى بلادهم، وفى إيطاليا وإسبانيا، وهما عضوان فى الاتحاد الأوروبى، شعرا بأنهما يواجهان وحدهما الوباء دون مساندة أوروبية مؤثرة، وهو ما دفع الناس هناك إلى إظهار مشاعر سلبية تجاه الارتباط بالاتحاد الأوروبى، ولاسيما بعد أن جاء جانب كبير من المساعدات للبلدين من بلدان غير أوروبية.

الملمح الثالث: ضعف التنسيق الدولى، وظهر فى اتجاه الدول إلى مواجهة الفيروس منفصل، وفق تصور عام ساد، ساهمت فيه منظمة الصحة العالمية، وهى الإجراءات الاحترازية المتمثلة فى الاغلاق، والتباعد الاجتماعى، والنظافة الشخصية، وربما كان لتجربة الصين فى مواجهة الفيروس فى ووهان دور فى بلورة هذا التصور، والذى قد يحتاج إلى مراجعة فى الفترة القادمة، لأن تصور المواجهة لابد أن ينبع من ظروف كل بلد على حدة، وفق ظروفه الجغرافية والديموغرافية، ولكن هذا يتطلب تنسيقا وتبادل خبرات بين الدول، وإدراكا عميقا بأن مواجهة الفيروس ليست بالانكفاء، ولكن بمزيد من العولمة، والعلاقات المتعددة بين الدول.


لمزيد من مقالات د. سامح فوزى

رابط دائم: