رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الانتهازية السياسية

أعني بعبارة الانتهازية السياسية تلك المواقف المتغيرة التي يتخذها البعض من السياسيين تجاه الحكام أوتجاه تغير النظم في لحظات التغيير السياسي، خاصة التغيير الحاد، الذي يحدث في اي بلد. في احيان اشعر بالخجل لهم, خاصة إذا حدث التغيير فجأة وبنسبة 180 درجة.هؤلاء لا يتحملون التدرج لأنهم عادة ما يكونون على عجل من إحراز المكاسب او عدم فقدان ما كانوا فيه في النظم الراحلة. ولكن تستمر أعلى درجات الانتهازية تلك التي تتعايش على معاناة الشعوب وتستخدمها لأغراض بعيدة عن مصالحها. انتهازية، كتلك التي اتخذت اوضح مظاهرها يوم ان خرجت فلول المتأسلمين يسعون الى نجدة الله في مظاهرات هدفِوا فيها ظاهريا الى كسب نجدة الرب انقاذا من وباء كورونا ولكن حقيقيا كانوا يهدفون الى ضرب النظام السياسي. او على اقل تقدير اختبار قواهم وقياس رد فعل الجانب الآخر.

أو تلك الفرص التي تنتهزها بعض المجموعات السياسية عندما تشعر بأن الشعب قد انشغل بقضايا حادة او ان الدولة قد وجهت جهودها تجاه تلك القضايا. وفي الوقت الذي يطلب من الجميع توجيه الجهود لمواجهة الخطر الواضح تخرج تلك القوى لتخترق الصفوف وتمزقها على اساس ديني او سياسي. وأوضح نموذج لذلك تجسد في محاولة الاعداد لعملية ارهابية في ايام الأعياد سواء المسيحية عيد القيامة او المصرية العامة التي تجمع كل المصريين شم النسيم.

كما اعني تلك الانتهازية السياسية التي تتبعها بعض الحكومات في اوقات تحتاج فيها الشعوب الى التضامن والعمل المشترك لإنقاذ ارواح البشر في كل مكان بغض النظر عن لونهم او دينهم او نوعهم الاجتماعي. خاصة اذا ما وضحت هذه التصرفات الانتهازية من حكومات تلك الدول التي استمرت تعلمنا كل ما هو متعلق بحقوق الانسان والديمقراطية والتضامن والمساواة. لقد عاصرنا مثل تلك المحاولات خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما استمرت الحكومات الغربية تستنزف العقول النابغة من الشعوب الصغيرة، بعد تخرجها فى الجامعة والانفاق عليهم من ميزانيات الدول والشعوب الفقيرة، لمحاولة الاسراع في بناء ذلك التقدم الذي احرزته حتى الآن. هذه العملية الانتهازية استنزاف العقول النابغة من الشعوب الصغيرة، ظهرت الآن في معركتنا ضد انفلونزا كورونا عندما اعلن الرئيس ترامب انه يرحب بهجرة الاطباء من جميع الدول للعمل في الولايات المتحدة غير مبال بالنتائج الوخيمة التي يمكن ان تجنيها تلك الدول الصغيرة المصدرة من تناقص الاطقم الطبية فيها فى اثناء حربها ضد الفيروس اللعين، وبعد ان كان ترامب صاحب سياسة صارمة ضد الهجرة.

وحتى في البلد الواحد، تعجبنا من تلك التصرفات الانتهازية التي انتهجتها ، على سبيل المثال، الشركات الامريكية عندما بدأت الواحدة بعد الأخرى تزايد بأسعار مستلزمات العلاج التي تفتقدها الولايات الأخرى بحجة، حصولها على اسعار افضل. هكذا في الوقت الذي كانت نيويورك، عاصمة المال والاعمال، تعاني هجوم الفيروس الشرس وكثرة الوفيات كان اصحاب الأعمال يشكلون بورصة مالية عناصرها الاساسية هي أرواح البشر وحياتهم. ثم جئنا للموقف المدهش الذي اتخذه الرئيس ترامب من منظمة الصحة العالمية عندما سحب الاستحقاق السنوي الذي تدفعه الحكومة الامريكية للوكالة المتخصصة للأمم المتحدة بحجة انحياز رئيسها للصين ثم بسبب عدم قيام المنظمة بواجباتها لحظة معرفتها بحقيقة جسامة نتائج انتشار الفيروس والسبب من ورائه. وفي واقع الأمر هذه ليست المرة الأولى التي تدخل الولايات المتحدة الأمريكية فيها في صراع مع وكالة من وكالات الأمم المتحدة بسبب موقف عالمي ثبت مع الزمن ان المنظمة كانت على حق أو الاصح أعضاء المنظمة كانوا على حق في اتخاذ الموقف الذي يغضب الولايات المتحدة الامريكية ويؤثر على مصالحها. كانت المرة الاولى في عام 1964 عندما تقدمت مجموعة الدول الافريقية وفي مقدمتهم الحكومة المصرية إلى المؤتمر السنوي لمنظمة العمل الدولية باقتراح يهدف الى خروج حكومة جنوب افريقيا من المنظمة بسبب نظام التفرقة العنصرية الذي تفرضه على الغالبية السوداء من المواطنين بجانب اعتقالها محاميا شابا مناضلا هو نيلسون منديلا. فما كان من الولايات المتحدة الامريكية الا ان هددت المؤتمر العام للمنظمة بسحب تمويلها من المنظمة لأنها اعتبرت مشروع القرار عملا سياسيا لا يدخل في علاقات العمل التي هي التخصص الاساسي للمنظمة.

وبالفعل وافق المؤتمر على مشروع القرار وسحبت الولايات المتحدة تمويلها لمنظمة العمل الدولية ثم ثبت ان مشروع القرار كان صحيحا، لأن نظام التفرقة الغي مع تسعينيات العقد الماضي ثم تم الافراج عن مانديلا الذي اصبح رئيسا لدولة جنوب افريقيا. من الواضح ان سياسة البيت الابيض ثابتة وهي إما ان تنفذ المنظمات الدولية الاملاءات التي تخدم المصالح الامريكية وإما ان تسحب الاخيرة التمويل فتضع المنظمات في موقف مالي حرج. في حالة جنوب افريقيا تبلورت المصالح الامريكية في المعادن المستخرجة من مناجم جنوب افريقيا ويمتلكها مستثمرون من الأقلية البيضاء في البلاد. اما في حالة منظمة الصحة العالمية فإن المصالح التجارية الامريكية مع الصين هي الاساس.

ويقدم لنا المشهد الخلافي بين الرئيس ترامب و بين تيدروس ادهانوم رئيس المنظمة حقائق متباينة بين موقفى الاثنين. يريد الاول الامريكي ان تنحاز المنظمة الدولية الى السياسات الامريكية في حين يهدف الثاني، المدير الدولي، ان تتكاتف القوى المختلفة داخل كل دولة على حدة وفي نفس الوقت تتحالف كل الدول، بغض النظر عن سياساتها ومواقعها، من اجل مواجهة هذا الفيروس اللعين في مجال البحث العلمي بحثا عن مصل يواجه الفيروس، خاصة ان منظمة الصحة العالية تنظر بعين الاعتبار الى حالة الدول الفقيرة التي لا تملك بنية صحية قوية في القارات الثلاث آسيا وامريكا اللاتينية وإفريقيا.


لمزيد من مقالات أمينة شفيق

رابط دائم: