رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مستقبل الديمقراطية بعد أزمة كورونا

فى ظل صراع الأفكار الذى يغلف أزمة وباء كوفيد-19، المعروف باسم كورونا، أصبح سؤال الديمقراطية من الأسئلة المطروحة على عدة محاور، منها استعراض بعض الأنظمة غير الليبرالية قدرتها على وقف انتشار الفيروس، وتسويق ذلك بوصفه تعبيرا عن نجاح سياساتها، أو انتهاج بعض الأنظمة، التى كانت تصنف فى مربع الليبرالية أو شبه الليبرالية، سياسات تشتم منها رائحة السلطوية. يأتى هذا فى وقت تعانى فيه المؤسسات الديمقراطية ضعف الثقة العامة، وتراجع عضوية الأحزاب، وصعود الشعبوية. من ناحية أولى أعادت أزمة كورونا قبلة الحياة إلى السياسات السلطوية، أو التى تقوم فى أبسط معانيها- على فرض قرارات رأسية من أعلى لأسفل دون حاجة إلى حوار وتفاوض أفقى مع مؤسسات عديدة حكومية وغير حكومية.

يُعزى ذلك فى جانب كبير منه إلى الخطاب الذى تتبناه الصين، والدول التى تسير على نهجها، من أن الديمقراطية بالشكل الغربى لا تصلح فى مواجهة الأوبئة والأزمات، وهناك من الكتاب والمثقفين فى مصر من يميل إلى هذا الرأى. ولكن المسألة أكثر تعقيدا من هذه المقاربة السطحية حيث يصعب أن نربط مواجهة وباء بطبيعة النظام السياسى. بالفعل أحرزت الصين نجاحا فى مواجهة الفيروس، لكن دولا أخرى تصنف بأنها غير ليبرالية مثل إيران فشلت، وهناك دول ديمقراطية مثل إيطاليا وإسبانيا، وإلى حد ما الولايات المتحدة وبريطانيا لم تستطع محاصرة الوباء، وتقليل خسائره المادية والبشرية بنفس كفاءة الصين، ولكن دولا أخرى ديمقراطية مثل ألمانيا وهونج كونج استطاعت أن تحقق نجاحا واضحا. وبالتالى، فإنه يصعب ايجاد علاقة بين مواجهة الأوبئة وطبيعة الحكم فى بلد ما.

ولكن الأمر اللافت أن أزمة كورونا قد تعطى مزاقا سلطويا للسياسات الديمقراطية فى عقر دارها. الاتحاد الأوروبى مثال واضح. الاتحاد الأوروبى، فى تصوره الأساسى، هو تجمع ديمقراطيات، لا مكان فيه لحكومات تتبع سياسات سلطوية. ولكن يبدو أن السياسات السلطوية سوف تشكل محورا يقلقه الفترة القادمة. فى المجر تواجه حكومة رئيس الوزراء المحافظ فيكتور أوربان انتقادات داخل الاتحاد الأوروبى، منذ سنوات، بسبب النزوع تجاه المزيد من الاجراءات السلطوية، وهو الأمر الذى زاد مع انتشار وباء كورونا.

فقد أصبح من حق رئيس الوزراء ممارسة الحكم من خلال قرارات أو مراسيم، تشكل صلاحيات واسعة، دون إطار زمنى محدد، وفى بعض الحالات دون مراقبة برلمانية. هل تقبل أوروبا الموحدة وجود عضو بها لا يلتزم بالمبادئ الحاكمة للاتحاد الأوروبي؟. هل سوف ينتهى الأمر بعدد من بيانات الشجب من المفوضية الأوروبية، وردود هجومية من جانب رئيس الوزراء المجرى مثلما حدث؟ المؤرخ الأوروبى الشهير، وأحد كتاب الجارديان، تيموثى جارتون آش يرى أن الورقة الوحيدة الآن المتاحة أمام أوروبا هى كتلة حزب الشعب الأوروبى، التى تضم أحزابا عديدة من بينها حزب فيدز الحاكم فى المجر، حيث يمكن من خلالها الضغط على حكومة المجر لتغيير توجهاتها.

فى بولندا قام الائتلاف الحاكم بتغيير النظام الانتخابى على نحو يسمح باعادة انتخاب الرئيس اندجى دودا، وهناك تساؤلات حول انتهاك حرية الرأى والتعبير والخصوصية، من خلال مراقبة المواطنين على الانترنت، فى دول مثل النمسا، وسلوفاكيا، وبلغاريا وسلوفانيا، وغيرها. هذه الاشكالية تفتح الباب أمام نقاش حول دور أوروبا المدافع عن الديمقراطية خارجها، وبالأخص جنوب المتوسط، هل تستطيع أن تواصل تبنى هذا الخطاب، بينما تعانى داخلها تفشى نزعات سلطوية، وانتهاك حقوق الإنسان وفق المعايير التى وضعتها لنفسها. فى الحقيقة أن وباء كورونا وضع السجال التقليدى بين الديمقراطية والسلطوية فى مأزق، الأمر لا يتعلق بشكل الحكم فحسب، بل بالرهان على مضمونه، وهو تقوية قدرات الدولة، واتساع دورها، والتوسع فى الانفاق العام فى المجالات الصحية والرعاية الاجتماعية ومواجهة الخسائر الاقتصادية المتوالية. الدولة هى خط الدفاع الأول، وهناك من يتحدث الآن أن تعثر دول كبرى فى مواجهة الفيروس يعود إلى السياسات الرأسمالية المتبعة، والتى قلصت حضور الدولة فى الرعاية الاجتماعية والصحية.

المفارقة أن يخسر حزب العمال فى بريطانيا الانتخابات منذ بضعة أشهر أمام حزب المحافظين لأن أجندته كانت تقوم على التوسع فى الانفاق العام، ثم تتبنى حكومة جونسون المحافظة نفس هذه السياسات العمالية فى مواجهة انتشار الفيروس، بل يصدر عن رئيس الوزراء بوريس جونسون ذاته تصريحات ينتقد فيها الإرث السياسى لعتاة المحافظين مثل مارجريت تاتشر. بالتأكيد، سوف يكون من تداعيات أزمة كورونا الاتجاه نحو التوسع فى الانفاق العام، وربما تشهد المرحلة القادمة إعلان وفاة السياسات النيوليبرالية التى قلصت كثيرا من دور الدولة على صعيد السياسات الاجتماعية.

ويقترن الحديث عن قدرة الدولة بحركة انتقال الفيروس فى العالم، فإذا كانت هناك دول تمتلك امكانات واسعة أظهرت معاناة فى مواجهة الفيروس، وقدرات متفاوتة على تحمل الخسائر الناجمة عن انتشاره، فماذا سيكون عليه حال دول أخرى تفتقر إلى البنية الأساسية فى مجال الصحة العامة إذا تعرضت -لاقدر الله- لذات السرعة الانتشارية للفيروس؟


لمزيد من مقالات د. سامح فوزى

رابط دائم: