رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كورونا والعلاقات الدولية

يعد فيروس كورونا من الأحداث الكبرى التى شهدها العالم مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية وانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتى، وكذلك أحداث 11 سبتمبر عام 2011, والتى شكلت تأثيرا كبيرا على العلاقات الدولية بسبب تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الضخمة. وينعكس تأثير أزمة كورونا على العلاقات الدولية من عدة زوايا:

أولا: استعادة الدولة الوطنية قوتها وتأثيرها كفاعل رئيسى فى العلاقات الدولية والتفاعلات الخارجية والداخلية، بعدما تراجع دورها فى العقود الأخيرة لصالح تأثير فاعلين آخرين مثل الشركات الدولية متعددة الجنسية والتى تمتلك ميزانيات تتجاوز ميزانيات بعض الدول وكان لها الدور الرئيسى فى تقرير ورسم السياسات العالمية خاصة فى المجال الاقتصادى. وقد أثبتت الأزمة فشل تلك الشركات العالمية فى احتواء التداعيات السلبية لكورونا مقابل تزايد دور الدولة الوطنية فى اتخاذ الإجراءات الاحترازية والاقتصادية للتقليل من الآثار السلبية وحماية المواطنين. ولذلك فإن من أبرز تداعيات كورونا هو تزايد دور الدولة فى المجال الاقتصادى وفى الإنتاج، حيث لم تعد هى الدولة الحارسة وفقا للنظرية النيوليبرالية التى تقصر وظائف الدول على تطبيق القانون والدفاع والسياسة الخارجية، وألا يكون لها دور فى الإنتاج الذى يكون للقطاع الخاص وآليات السوق، وإنما أصبح الدولة المركزية القوية هى القادرة على مواجهة الأزمات، وهو ما عكسه نجاح النموذج الصينى فى التعامل مع أزمة كورونا مقابل تعثر النموذج الغربى بسبب ضعف دور الدولة فيها.

ثانيا: كذلك تراجع دور التكتلات الدولية الكبرى، مثل الاتحاد الاوروبى، والتى أثبتت عجزها عن مواجهة خطر فيروس كورونا، خاصة بعد اتهام العديد من الدول الأوروبية مثل إيطاليا واسبانيا الأكثر تضررا من الفيروس، الاتحاد الأوروبى بالفشل فى مساعدتها وغياب وجود سياسة تضامن جماعية لمواجهة التداعيات الاقتصادية، حيث رفضت بعض دول الاتحاد مثل ألمانيا وهولندا مفهوم المسئولية الجماعية فى تحمل أعباء أزمة كورونا مثل إصدار سندات كورونا لتكون آلية ديون متبادلة لتقليل التداعيات الاقتصادية للأزمة، حيث ترفض هذه الدول تحمل أى أعباء لمساعدة إسبانيا وإيطاليا، وترفض وجود سندات تستفيد الدول الأكثر تضررا من معظم عائداتها، ثم تشارك بلدان الاتحاد فى سداد الديون المترتبة عليها، وهذا من شأنه أن يؤدى إلى تراجع التوجه نحو الوحدة والاندماج لصالح تزايد الاتجاه نحو استعادة وتقوية الدولة الوطنية وسيادتها، وهو ما كان سببا فى انسحاب بريطانيا من الاتحاد حيث شعرت بأنها بدأت تفقد سيادتها وقراراتها فى ظل استمرارها فى الاتحاد الأوروبى.

ثالثا: تراجع دور الفاعلين من غير الدول مثل التنظيمات والميليشيات والحركات المسلحة داخل الدول والتى تصاعد دورها بشكل كبير خلال العقد الماضى بسبب التغيرات السياسية التى شهدها العالم العربى منذ عام 2011، مثل داعش والقاعدة والتنظيمات المسلحة فى العراق وسوريا واليمن وليبيا، والتى شكلت تحديا للدولة الوطنية وإضعاف قوتها ومؤسساتها مما كان له أثر سلبى خطير فى التعامل مع التحديات، كما أن تلك الميليشيات وقفت عاجزة عن مواجهة خطر الفيروس وتوارت لصالح دور الدولة فى اتخاذ إجراءات الحجر الصحى وفرض حظر التجوال وتوفير السلع وغيرها، وهو ما يؤكد دائما أهمية دور الدولة الوطنية. حيث أصبح للجيوش الوطنية أدوار مهمة غير الأدوار العسكرية، حيث أبرزت أزمة كورونا أن الدول المختلفة اعتمدت بشكل اساسى على قواتها المسلحة فى إدارة الأزمة وفى احتواء خطر انتشار وتمدد الفيروس، وكذلك الدور الاقتصادى للجيوش فى توفير السلع والخدمات.

رابعا: أدت أزمة كورونا إلى تأثيرات سلبية فى العلاقات الدولية والسياسة الخارجية للدول، حيث تراجع مفهوم التضامن الدولى والمسئولية الجماعية والعمل لمشترك، والذى من المفترض أن يكون الأساس لمواجهة جائحة عالمية, تهدد السلم والأمن الدوليين، لصالح مفهوم الأنانية الدولية خاصة من جانب الدول الكبرى والتى دخلت فى تسابق لاختطاف شحنات الأدوية والمعدات الطبية وتبادل الاتهامات حول المسئولية عن الفيروس مثلما حدث بين أمريكا والصين، كذلك تراجع القوى العظمى عن مسئولياتها العالمية خاصة الولايات المتحدة التى هددت بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية ووقف التمويل الأمريكى لها بسبب ما اعتبره الرئيس ترامب انحياز المنظمة للصين. كما أن المصلحة القومية ستظل هى الحاكم الأساسى للعلاقات الدولية وللسياسة الخارجية فى بناء التحالفات واتخاذ المواقف فى التقارب أو التباعد بين الدول.

خامسا: ستفضى أزمة كورونا إلى تغيير واضح فى هيكل النظام الدولى، حيث ستسرع الأزمة من التحول من نظام الأحادية القطبية التى تسيطر فيه الولايات المتحدة على التفاعلات الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة، إلى النظام الدولى متعدد الأقطاب الذى تكون فيه لروسيا والصين، أدوار بارزة فى النظام الدولى على الصعيد السياسى والاقتصادي، إلى جانب أمريكا، وهو ما يسهم فى تحقيق التوازن الذى يدعم الاستقرار فى العلاقات الدولية.

أزمة كورونا ستؤدى إلى ظهور نظريات جديدة فى تفسير وتحليل العلاقات الدولية وفق ما أفرزته الأزمة من تفاعلات جديدة وتصاعد أدوار الدولة الوطنية وتراجع أدوار الفاعلين الآخرين وإعادة تشكيل النظام الدولى وكذلك مراجعة وظائف المنظمات الدولية, وعلى رأسها الأمم المتحدة, خاصة فى التعامل مع التحديات والأزمات.


لمزيد من مقالات د. أحمد سيد أحمد

رابط دائم: