رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

معركة الوعى فى مواجهة الوباء

يخوض العالم بأكمله معركة شرسة ضد وحش لايرى بالعين المجردة، لكنه يحصد الأرواح ويشل حركة الحياة العامة ويجبر سكان العالم على البقاء فى منازلهم، لكننا فى مصر نخوض معركة أخرى إلى جانب الحرب ضد فيروس كورونا هى معركة الوعى، وهى معركة قديمة تجلت بشكل أوضح خلال الفترة الحالية. فمنذ فترة طويلة ولأسباب متعددة يسيطر تدنى المستوى الثقافى فى مختلف المجالات على عقلية بعض المصريين، وهو الأمر الذى كانت تستغله الجماعات الإرهابية المتطرفة فى نشر أفكارها وبث سمومها، وكان البعض يستغله أيضا فى مقاومة خطط الإصلاح المهمة لحساب المستفيدين من جمود الأوضاع، مثل عملية تطوير منظومة التعليم ومحاولات تنظيم الأسرة للحد من معدلات الزيادة السكانية الضخمة.

وفى خضم معركتنا ضد وباء كورونا ظهرت آثار عدم الوعى فى مواقف عديدة، منها استمرار التجمعات الكثيفة دون أى إجراءات احترازية، ففى بعض المناطق تدخلت المحافظات والأحياء لمنع الأسواق الأسبوعية التى يوجد فيها أعداد كبيرة من البشر فى حيز ضيق للغاية، وبدأت لعبة القط والفار مع من يعانون انخفاض درجة الوعى، فمرة يلجأون إلى إقامة الأسواق فى شوارع أخرى، أو فى أيام مختلفة للتهرب من المنع. ومن هذه الظواهر التنمر بالمرضى وعرقلة دفن الموتى، ففى الوقت الذى وقف فيه معظم الرأى العام المصرى خلف جيش مصر الأبيض من أطباء وممرضين وهيئات معاونة، كان البعض نتيجة انخفاض الوعى يتنمر بهم فى وسائل المواصلات وأماكن السكن وينشر الشائعات غير الصحيحة عنهم، ووصل الأمر إلى محاولة منع دفن جثة إحدى شهداء كورونا فى قرية بمحافظة الدقهلية، وكالعادة كانت أيادى جماعة الإخوان الإرهابية تعبث فى هذا الموضوع، فتطلق الشائعات وتحدث الفوضى مستغلة انخفاض الوعى لدى البعض فيسير فى ركابها دون إدراك لطبيعة مخططها الخبيث. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فتلك الأصابع الخبيثة لعبت دورا كبيرا فى نشر الشائعات عبر مواقع التواصل الاجتماعى على شبكة الإنترنت، لتحقيق أهداف متعددة منها ضرب مصداقية الدولة، والتشكيك فى مقدرة الحكومة على إدارة الأزمة، والوجود على الساحة السياسية مرة أخرى، واستعادة القدرة على اجتذاب الجماهير لصالحها، ولم شمل الجماعة الذى دمرته الملايين الغاضبة فى 30 يونيو 2013، وانتهاز الفرصة لمحاولة إشاعة الفوضى. وهى الأصابع التى حاولت استغلال مواقع التواصل الاجتماعى لإشاعة وتصعيد روح العداء بين الشعبين المصرى والكويتى مستغلة بعض الأصوات الفردية من الجانب الكويتى التى ينتمى معظمها لنفس الفصيل، والتى حاولت الإساءة للمصريين، لكن المحاولة فشلت لإدراك العقلاء من الجانبين الهدف من وراء ذلك، فعلى المستوى الرسمى جاء اتصال وزير الخارجية الكويتى بنظيره المصرى لتأكيد عمق العلاقات بين البلدين والتصدى لأى محاولات للإساءة لها، وعلى المستوى الشعبى تصدى كثير من الشخصيات الكويتية لهذه الممارسات وشجبوها، وأصدر المثقفون الكويتون بيانا يعلون فيه رفضهم هذه الأصوات وتدعو إلى وقف حملات التحريض فورا، كما صدر بيان من المثقفين المصريين يؤكد العلاقة الاستراتيجية بين مصر والكويت وعلاقة الأخوة الممتدة عبر التاريخ، ويستنكر المشاحنات الرامية إلى تفتيت النسيج العربى، وقدمت السلطات الكويتية تسهيلات كثيرة للعمالة المخالفة التى تريد المغادرة. ومن جانبها قامت الحكومة المصرية بجهود ضخمة لإعادة المصريين العالقين بالخارج، وكالعادة حاولت بعض العناصر الإخوانية تشويه تلك الجهود، لكنها فشلت لسلوكها المفضوح، ولأن الجهود المصرية كانت واضحة ومعلنة للعيان، وهنا لابد من الإشارة إلى الدور الكبير الذى قامت ولا تزال تقوم به الدكتورة نبيلة مكرم وزيرة الهجرة، فهذه الوزارة لم تشارك فقط فى عمليات إعادة العالقين من الخارج، بل ظلت حتى اليوم على تواصل مع المصريين بالخارج للمساهمة فى حل مشكلاتهم، ومنذ أيام قليلة بثت سيدة مصرية فيديو تناشد فيه الرئيس عبد الفتاح السيسى المساعدة فى الاطمئنان على بناتها الموجودات فى بريطانيا للدراسة، وبذلت وزارة الهجرة مجهودا كبيرا للتوصل إلى رقم تليفون السيدة فى مصر وتحدثت الوزيرة إليها وطمأنتها على استعادة بناتها بمجرد وجود حركة طيران، وتواصل القنصل المصرى فى لندن ورئيس الجالية المصرية هناك مع البنات، وتعهدوا بمتابعتهن دائما، وخرجت السيدة بفيديو آخر تشكر فيه الرئيس وتفخر بمصريتها.

إن معركة الوعى معركة طويلة تشارك فيها كل المؤسسات المسئولة عن الإعلام والتعليم والثقافة والدين والمجتمع المدنى والقيادات المحلية فى كل موقع، وتستهدف الارتقاء بثقافة الفرد فى مختلف المجالات، حتى لا يكون فريسة سهلة لمحاولات الاستقطاب المشبوهة، أو يسهم فى الإضرار بنفسه ومجتمعه دون أن يدرى، وقد كشفت أزمة كورونا عن نماذج لشخصيات بسيطة تسببت فى مشكلات كبرى، وأذكر واقعة روتها طبيبة فى محافظة الغربية استقبلت حالة فى العيادات الخارجية عن طفلة لديها كحة جافة واستفسرت الطبيبة من الأم عن ظروفهم فأخبرتها الأخيرة بأنهم كانوا يتنزهون على شاطئ الإسكندرية وربما أصيبت الطفلة ببرد خلال وجودها بملابس خفيفة هناك، وعندما ابلغتها الطبيبة بأن خروجهم إلى مناطق مزدحمة مثل الشواطئ خطأ، فوجئت برد الأم وهو أنها فى إجازة اسبوعين من عملها تستغلها فى التنزه، ولذلك ذهبت إلى الاسكندرية وتقيم الآن لدى أقارب لها بالغربية لأنها أصلا من القاهرة، ثم فجرت الأم مفاجأة كبيرة بأنها تعمل فى معهد الأورام وحصلت على هذه الإجازة لأنها من المخالطين لحالة مصابة فى المعهد، وبدلا من أن تقضيها فى حجر صحى منزلى استغلتها فى التنزه والاختلاط بالناس فى عدة محافظات وقد تكون حاملة للعدوى دون أن تدرى. إن هذه القصة البسيطة أكبر مثال على خطورة معركة الوعى التى نخوضها الآن، وتؤثر على حربنا ضد الوباء.


لمزيد من مقالات ◀ فتحى محمود

رابط دائم: