رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كورونا وسؤال الديمقراطية

فى مواجهة طائر الموت المحلق كورونا، برز دور الدولة كفاعل سياسى رئيسي، يملك وحده حق التحكم فى المجال العام، عبر اتخاذ المبادرات وفرض الإجراءات، بتقديم العلاج للمرضى والدعم للمنكوبين. بالقطع نجحت بعض الدول أكثر من غيرها، ومن ثم برزت كتابات تمتدح من نجحت وتهجو الأخرى التى فشلت أو كانت أقل نجاحا. كانت ووهان الصينية موطن الوباء الأول، وللمفارقة أول من خرج من أسره بصرامة إجراءات الدولة، ونظامها الصحى الفعال، وربما ثقة الجمهور فى قياداتها، ولذا حازت الصين على القدر الأكبر من المديح، حتى اعتبر البعض أن الوباء قد توج النموذج الصينى بشارة القيادة العالمية. فى المقابل بدا الدور الأمريكى خافتا فى قيادة العالم ضد الوباء، عكس ما اعتاد عليه الناس طيلة القرن العشرين ومطلع الحادى والعشرين.

ولأن الصين تظل نموذجا للدولة السلطوية، التى لا يزال نظامها السياسى شيوعيا رغم انفتاحها الاقتصادي، فقد اعتبر هذا النموذج هو الأنجح، رغم أن تسلطيتها هى التى دفعتها إلى عقاب طبيب استشعر الفيروس وحذر منه قبل أن يموت به، وأن انغلاقها ربما أعاق وصول خبر الوباء للعالم بضعة أسابيع، كان لها قيمتها الذهبية فى مجابهته. ولأن الولايات المتحدة أبرز نموذج للديمقراطية الليبرالية والنظام الرئاسي، فقد اعتبر هذا النموذج هو الأفشل، خصوصا وقد تكرر أداؤه المتدنى فى إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا، التى باتت جميعها مسرحا للوباء. وفى ظنى أن تلك الأحكام متسرعة وجائرة، تحفزها ضغوط اللحظة أكثر مما تستهدى بسنن التاريخ، إذ تتنكر لجماع مثل الحداثة السياسية وفضائلها الأساسية كالحرية والفردية والنزعة الإنسانية، التى كافحت الإنسانية طويلا، وأراقت من دماء أبنائها كثيرا حتى خرجت إلى فضائها الرحيب انعتاقا من كهف الإقطاع الكئيب وقبضة التسلط الرهيب. وابتداء، تنطوى تلك الأحكام على تعميمات اختزالية، تتجاهل حقيقة أن اليابان وكوريا، البلدين الديمقراطيين فى الجوار الصينى نفسه، حققتا نجاحا كبيرا فى مواجهة الفيروس، ربما لانضباط شعبيهما، وقوة حضور القيم الجماعية لديهما، ناهيك عن النظام الصحى الفعال الذى يشهد بقوة حضور الدولة رغم ديمقراطيتها. وعلى الجانب الآخر نجد أن بلدانا سلطوية بل وقمعية، تحكمها الأيديولوجية الدينية كإيران قد عانت من الفشل ولم تحقق النجاح الصينى ذاته.

وظنى أن العامل الحاسم فى إضعاف المواجهة مع الفيروس لم يكن هو الديمقراطية التى لا يمكن أن تكون عبئا على أى مهمة تاريخية، بل الرأسمالية المتوحشة التى كادت تشل يد الدولة، وتعطل دورها الاجتماعي، بالتحكم فى النظام الصحى بأكمله، والذى تعاملت معه كأى قطاع استثمارى يقدم خدمة فى مقابل ثمن، تنهض السوق الخاصة بإنتاجها وتوزيعها، فلا علاج إذن إلا لمن يستطيع، وهو ما حدث فى دول أوروبا الغربية بدرجات مختلفة، ولكنه كان أكثر حدة وبشاعة فى الولايات المتحدة لأمرين أساسيين: أولهما أنها قد تخلصت تماما من إرث دولة الرفاه الكينزية، واستسلمت للنيوليبرالية الاقتصادية التى تستقى أوامرها الكبرى من المجمع الصناعى العسكري، بل وتعيش على رأسمالية الكوارث، تستثمر فيها أكثر مما تسعى إلى مجابهتها. وثانيهما يتمثل فى شخصية الرئيس الأمريكى نفسه والتى تجسد خليطا من النيوليبرالية الاقتصادية والشعبوية السياسية، بكل ما يتصور عن تلاقيهما معا من توحش وابتذال، وصفناهما فى مقالين لحظة توليه مقعده، متنبئين بأنه سيكون عبئا كبيرا على مستقبل البشرية برمتها وليس أمريكا وحدها، بل وصفناه بنيرون حديث، جاء فى عصر الصورة بعد نهاية عصر الفكرة، ملفوفا بثياب مزيفة تمت لعصر ما بعد الحقيقة بعد ذبول مفهوم الحقيقة فى العالم الافتراضي. المهم هنا أن شخصية ترامب لعبت دورا بارزا فى تكبيل القدرة الأمريكية. أولا كونه تنكر لإرث الرئيس أوباما وعلى رأسه نظام التأمين الصحى بدلا من أن يبنى عليه نظاما صحيا فعالا ينطوى فيه جميع الأمريكيين. وثانيا لأنه أبدى ردود فعل ساذجة عند بدايات المرض، مستخفا به، ومتنكرا له، بل محاولا توظيفه فى وصلات ردح سياسى مع الصين. وثالثا لأنه يفتقد الرؤية والمصداقية معا، لا يزال يبدى حرصا على المصالح المالية، بل يحاول التكسب من الأزمة، أكثر من حرصه على حياة الناس.

المعضلة إذن فى التوحش الرأسمالى وليس فى النظام الديمقراطي، نعم كانت الدولة التدخلية، بقدر ما تمتلك من مقومات وآليات ضبط وترشيد، أقدر على المواجهة من الدولة الحارسة التى أعلنت حيادها، مثل حكم ساحة فى مباراة لكرة القدم، مكتفية بالفرجة على الصراع الاجتماعى الدائر. فالأولى تدير نظاما صحيا جماعيا فعالا استطاعت من خلاله أن تقول كلمتها وتلعب دورها. أما الثانية فأزاحت المهمة عن عاتقها حتى فقدت المبادرة فى لحظة الأزمة. لكن من قال بأن النزعة التدخلية تعنى فقط الشيوعية الصينية، أو التسلطية العالم ثالثية؟ ومن قال إن الإنسان كائن لا غاية له سوى البقاء، وأن وباء عابرا مثل كورونا يستطيع أن يهزمه فيتنازل عن كل أحلامه فى الحرية والكرامة؟. إذ أجيب مستنكرا، أؤكد أن نموذج الاشتراكية الديمقراطية ودولة الرفاه الكينزية اللذين عرفتهما أوروبا الغربية، ربما يمثلان الأفق الأسمى للتطلع الإنسانى إلى نظام حكم يضمن تحقيق العدالة والحرية معا، إذ يُبقى على حضور الدولة من دون إنكار للشخصية الفردية، ويسمح بالمبادرة الذاتية للشخصيات المائزة من دون حجب حق الرعاية عن البشر العاديين، أو حتى المعاقين، وفى ذلك ربما تكمن حكمة التاريخ، التى تهدرها نزعات القهر السياسي، مثلما تقوضها ممارسات كالتحيز الاقتصادى والشعبوية السياسية والعنصرية الثقافية، وتلك الأخيرة هى التى جسدها الرئيس ترامب ببراعة قاتلة، جعلته عبئا كبيرا على اللحظة التاريخية الراهنة، مثلما كانت العبودية والسلطوية عبئا على التاريخ الإنسانى برمته.

[email protected]
لمزيد من مقالات ◀ صلاح سالم

رابط دائم: