رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ابن خلدون (9)

صارت جملة العالم صديقه عن القاهرة تحور وتدور فى رأسه: «من لم يرها لم يعرف عن الاسلام»، وأخبره غيره بأن القاهرة هى منبر التفكير الاسلامى فى المشرق والمغرب، ولبلاطها شهرة واسعة فى حماية العلوم والآداب.

ويتأهب السلطان للخروج مرة أخرى بجيشه، فخشى ابن خلدون أن يصطحبه مرة أخرى معه ولذلك فإنه يعتزم أمرا فى قرارة نفسه. ويخبر زوجته برغبته فى الرحيل إلى مصر حيث الاستقرار فيها ويتفرغ للبحث والدرس وتجنب الخصوم والحساد، فتشجعه الزوجة لقراره الحكيم هذا خاصة قد وعدها بأن تلحق به فيما بعد هى وأولاده.

ولكن كيف يقنع السلطان بذلك فهو لن يدع درة مجلسه ومركز اشعاع العلوم فى بلاطه.. لن يدعه يرحل. فخطرت له فكرة الحج يتوسل بها عذرا إلى السطان، ومتى ركب البحر يغير وجهته.

وبلغ ابن خلدون القاهرة فى الخامس من فبراير عام 1833م وأعجب بالمدينة أيما اعجاب وقام بالتعبير عن اعجابه فى بلاغة تساوت مع وصف عمرو بن العاص للخليفة عمر بن الخطاب بعد فتح عمرو لمصر. فإذا بابن خلدون يصف القاهرة بأنها : «حضرة الدنيا، وبستان العالم ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر. وايوان الاسلام. وكرسى الملك. تلوح القصور والأواوين فى حجره. وتزهر الخوانك والمدارس آفاقه. وتضيء البدور والكواكب من علمائه. قد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء. يسقيه النهل والعلل سيمه، ويجبى إليهم الثمرات والخيرات ثجة. ومررت فى سكك المدينة تغص بزحام المارة. وأسواقها تزخر بالنعم. ومازلنا نحدث عن هذا البلد وبعد مداه فى العمران. واتساع الأحوال. وقد اختلقت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا. حاجهم وتاجرهم بالحديث عنه».

وقد لاحظ طه حسين بحق فى دراسته عن ابن خلدون أنه لابد أن صورة القاهرة والحضارة المصرية التى كان لها جميع خصائص أى حضارة عمرانية مترفة مع احتفاظها بالثبات وعدم تعرضها على الدوام للانهيار، فجعلت الفيلسوف التونسى يطيل التأمل فى صحة نظرياته التاريخية. وأوحت إليه بعض الانتقادات فى هذا الموضوع، فى حين أن المقدمة كانت قد كتبت فقط قبل وقت طويل.

استقر المقام بابن خلدون فى القاهرة وعقد العلاقات مع علماء هذا البلد. ومنحته الحكومة المحلية بعد قليل منصبا قضائيا دينيا كبيرا، فعين قاضيا ملكيا لهذه المدينة. لكن حتى هذا المنصب كانت له منازعات عنيفة، إذ أثار العداوات بسبب خلق ابن خلدون الجاف الذى لا يلين. وكان ان أراد أن يمحو عددا من التصرفات السيئة التى سمح بها من سبقوه فى هذا المنصب فارتفعت الشكايات الشديدة من جميع الجهات، ونجح خصومه فى خلعه. وعندئذ ذهب ليحج، وعند عودته تقلد من جديد منصب القضاء العالى الذى كان قد خلع عنه. ثم فقد أيضا هذا المنصب لكنه شغله مع ذلك من جديد عدة مرات. وفى أثناء ذلك ابتلى ببلاء عظيم فإن أسرته التى كان عليها أن تلحق به قضت نحبها فى غرق سفينة على شواطئ طرابلس.

ومن الجدير بالملاحظة أن ابن خلدون أوجز كثيرا فى كل ما يتعلق بالأحداث المفجعة فى حياته واكتفى بأن قال عن غرق أسرته إن البساط قد طوى بكل ما فيه.

ويتفق كل هذا تماما مع الخلق المفروض فى هذا العالم ذى الروح القوية والعقل المناضل.

لكن ما كان من المقدر لابن خلدون أن ينتهى سريعا من هذه التقلبات حتى وهو فى شيخوخته فقد وجد نفسه مختلطا بأحداث كبار عام 1400م عندما غزا تيمور لنك سوريا سوف نتحدث عنها فيما بعد.

إن ما كتبه ابن خلدون عن الأحوال التى لاحظها، والمتاعب التى لاقاها، والمفاسد التى كافحها عندما تولى منصب القضاء هو بمنزلة وثيقة مهمة تصور حالة العصر أحسن تصوير بكل ما فيه من فساد وضلال وتضليل وشعوذة.

ومما يلفت النظر أن الانتقادات الشديدة التى كتبها ابن خلدون بهذه المناسبة تتناولها شئون الفتيا والأوقاف أيضا. حيث يقول: «خلع على (السلطان) بايوانه وبعض من كبار الخاصة من أقعدنى بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين . فقمت بما دفع إلى من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدى بما أمننى عليه من أحكام ايله، لا تأخدنى فى الحق لومة، ولا يزعنى عنه جاه ولا سطوة، مسويا فى ذلك بين الخصمين بحق الضعيف من الحكمين، معرضا عن الشفاعات والوسائل من الجانبين جانحا إلى التثبت فى سماع البينات، والنظر فى عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات فقد كان البر منهم مختلطا بالفاجر، والطيب متلبسا بالخبيث، والحكام ممسكين عن انتقادهم، متجاوزين عما يظهرون عليه من هناتهم لما يمهون به من الاعتصام بأهل الشوكة. فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمون للقرآن، وأئمة فى الصلوات يلبسون عليهم العدالة فيظفرون بهم الخير ويقسمون بهم الحظ من الجاه فى تزكيتهم عند القضاء والتوسل لهم بأعضاء دوائرهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم. ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموضع العقاب ومؤلم النكال. فعاملت الله فى حسم ذلك بما أسفهم على وأحقدهم، ثم التفت إلى الفتيا بالمذهب وكان الحكام منهم على جانب من الخبرة لكثرة معارضتهم، وتلقينهم الخصوم وفتياهم بعد نفوذ الحكم. إذ فيهم أصاغر بينما هم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة لا يكادون، وإذا بهم طفروا إلى مراتب الفتيا والتدريس فاقتعدوها وتناولوها بالجزاف واجتازوها من غير مثرب ولا منتقد للأهلية ولا مرشح إذ الكثرة فيهم بالغة وعندما يغضب السلطان برقوق على قاضى قضاة المالكية جمال الدين بن طير السكندرى ويعزله من منصبه، ويصدر قرارا بتعيين ابن خلدون مكانه وخلع عليه لقب «ولى الدين» الذى اقترن باسمه بعد ذلك.

ولم تكن ولاية ابن خلدون لخطة القضاء حادثا عاديا. فقد كان أجنبيا وكانت مناصب القضاء والتدريس دائما مطمع جمهرة الفقهاء والعلماء من أهل مصر ولم يكن مستحبا أن يفوز الأجانب والوافدون دونهم، ولذلك فقد تولى العلامة المغربى منصبه فى جو يشوبه كدر الخصومة والحسد.


لمزيد من مقالات مصطفى محرم

رابط دائم: